مخاوف مناوي من صناعة ميليشيا جديدة ترعاها الدولة هل لها مايبررها؟
×”درع الغرب” بزعامة موسى هلال يثير حساسية متفجرة لدى مناوي والحركات؟
×مناوي وهلال…
صراع النفوذ على الجغرافيا والتأريخ والسياسة
×مناوي ضد ميليشيا بعينها، بزعامة بعينها، في جغرافيا بعينها، لأنها تمس ثلاث محرمات

(حاكم إقيم دار فور مني أركو)
تحليل : أحمد يوسف التاي
الناظر إلى تصريحات حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، التي هدد فيها بالتمرد على الدولة في حال أنها – أي الدولة- صنعت ورعت ميليشيا جديدة على غرار ميليشيا الجنجويد التي صنعها نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وهي ما تحولت فيما بعد إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.. الناظر إلى تلك التصريحات التي أظهرها مقطع فيديو بشكل واضح وصريح يدرك منذ الوهلة الأولى ان الرسالة موجهة بشكل أكثر تحديدًا لقيادة الجيش والدولة ، وإن شئنا الدقة فللبرهان بشكل أدق، أو هكذا يتراءى المشهد، خاصة إذا ربطنا حديثه عن صناعة قيادة الدولة- البشير- لميليشيا الجنجويد ، وتحذيره من إعادة ذات السيناريو..
كما أن الناظر لتلك التصريحات تستوقفه
ملاحظة مهمة، وهي أنها – أي التصريحات- جاءت متزامنة تماما مع تردد عن إتجاه
الزعيم القبلي موسى هلال تشكيل قوة عسكرية تحت مسمى قوات درع الغرب، وما شاع عن ترتيبات تجري لتوحيد قوات النور القبة والسافنا تحت مسمى واحد..
ومن هنا يمكن قراءة إنفعالات مناوي واستدعائها لقراءة المشهد بوضوح..

(موسى هلال)
التهديد بالتمرد:
لم تكن حدة تصريحات حاكم دارفور مني أركو مناوي وتهديده بـ”التمرد” ضد الدولة حال إنشائها لأي ميليشيا جديدة، مجرد موقف مبدئي ضد تعدد الجيوش، كما بدا ظاهرياً، لأن هذا التعدد موجود منذ عهد البشير وزاد عقب سقوط حكمه وتضاعف بعد اندلاع الحرب بصورة مزعجة، ومع ذلك لم يُظهر مناوي حدة او حساسية أورفض او تهديد بالتمرد ، إلا بعد الحديث الذي يُشاع عن اتجاه تشكيل ميليشيا جديدة بقيادة هلال وبمباركة ودعم الدولة، وهذا أيضا يمكن قراءته ضمن الصراع القديم بين القبائل ذات الأصول الأفريقية، والقبائل ذات الأصول العربية في دارفور.
أحاديث خلف الكواليس:
فالقراءة المتأنية لتصريحاته مناوي وتصريحات د. إيثار خليل وكتابات إبراهيم بقال، تلمح أن الهدف المحدد والمباشر هو مشروع يجري الحديث عنه في الكواليس: ميليشيا “درع الغرب” المزمع تشكيلها بزعامة الشيخ موسى هلال، كما ورد في بعض المنصات ..
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة : لماذا سكتت الحركات المسلحة عن ميليشيات ولدت مع الحرب ثم انتفضت بقوة ضد قوة لم تولد بعد؟
الإجابة تكمن في ثلاثة مستويات متداخلة: التاريخ، والجغرافيا، واتفاق سلام جوبا، وذلك على النحو التالي:

النور القبة
أولاً: عقدة تأسيس الجنجويد:
بالنسبة للحركات المسلحة، موسى هلال ليس مجرد قائد مليشيا جديدة، بل هو في وعيها الجمعي “الأب المؤسس” لفكرة الجنجويد نفسها. في نظرها، هو من استخدمته حكومة البشير عام 2003 لضرب التمرد في دارفور والذي تقوده هي، وهو من قاد عمليات الحرق والتهجير التي تعتبرها الحركات إبادة جماعية ضد مكونات “الزرقة”، أو على الأقل هذا مايصرح به الكثير من قيادات الحركات المسلحة..
وبالتالي، فإن إعادة تدوير هلال من قبل الدولة كما تقول د. إيثار خليل – ليس مجرد تشكيل مليشيا، بل هو في نظر الحركات إعادة إحياء للمشروع القديم الذي قامت الحركات أصلاً لمحاربته، وإنه يمس جوهر شرعية وجودها.
ميليشيات طارئة:
أما قوات درع السودان بقيادة كيكل والبراء بقيادة المصباح فهي في نظرهم – رغم التحفظ عليها – قوات طارئة نشأت في سياق حرب 15 أبريل ضد الدعم السريع العدو المشترك، ويمكن دمجها أو تفكيكها لاحقاً، لكن هلال يمثل مشروعاً تاريخياً مضاداً لهم، أو هكذا ينظرون إلى الأمر، ومن هنا نشأت الحساسية وظهر على مناوي الإنفعال وأظهر التهديد للدولة التي صنعت من قبل الجنجويد ويمكن أن تفعلها ثانية وفقا لمخاوفه..
ثانياً: الصراع القبلي التأريخي في دارفور:
الخوف الحقيقي لمناوي ليس في الخرطوم، بل في دارفور، كما تشير بعض المعطيات..
الحرب الحالية أفرغت دارفور إلى حد كبير من نفوذ الحركات والقوات المسلحة لصالح الدعم السريع الذي ينتمي في معظمه إلى المكونات العربية. والحركات التي عادت إلى دارفور عبر محور الصحراء تحاول إعادة تثبيت نفسها كقوة حماية للمكونات ذات الأصول الإفريقية “الزرقة” – فور وزغاوة ومساليت وغيرهم.
(السافنا)
مخاوف ظهور قوة تنتمي إلى قبائل ذات أصول عربية مسلحة جديدة بغطاء رسمي من الدولة وبزعامة زعيم المحاميد التاريخي موسى هلال، في مناطق شمال دارفور ، – بحسب مخاوف الحركات المسلحة- ، هو ما يفسر أيضا هدف تهديد مناوي بالتمرد على الدولة
خاصة وأن الحركات تعتبر مناطق شمال دارفور مجالها الحيوي وخط إمدادها نحو ليبيا، يعني – من وجهة نظرها – يشكل هذا ضربها في مقتل.
استبدال ميليشيا بميليشيا:
ما لم يقله مناوي صراحة، واشارت إليه تصريحات د. إيثار وكتابات بقال الذي يدافع الآن بقوة عن المشتركة، ويؤيد تصريحات مناوي بشدة، فإن المخاوف كلها تصب في أن الدولة ربما تستبدل ميليشيا الدعم السريع الذي يتشكل قوامه من قبائل ذات أصول عربية بمليشيا عربية أخرى.
وهذا ما يفسر أيضا عبارة إبراهيم بقال التحذيرية: “لن نسمح ولن نؤيد هذه الخطوة أبداً” عندما تحدث عن اجتماع أبناء المحاميد.
*ثالثاً: تهديد اتفاق جوبا.. من يحل مكان من؟*
تقول القيادية بحركة العدل د. إيثار خليل إبراهيم أن للحركات المسلحة وضعاً قانونياً فريداً بموجب اتفاق جوبا للسلام ، وهي ليست ميليشيا، بل “جيش دولة جاء باتفاقية سلام” كما قالت . واتفاق جوبا يمنحها حق البقاء كقوات منظمة إلى حين تنفيذ بند الترتيبات الأمنية والدمج.
بقراءة موضوعية لما بين سطور تصريحات مناوي والدكتورة إيثار وغيرها يتضح أن هناك إزاء الدولة من أن تعيد سيناريو البشير مع الدعم السريع ، وأنها – أي الدولة – تريد الالتفاف على هذا الاستحقاق عبر صناعة قوات موازية جديدة، تحمل صفة “دروع” و “إسناد”، ثم تقول لاحقاً إنها هي القوات التي سيتم دمجها، وتُفرغ اتفاق جوبا من مضمونه..
وهنا تأتي عبارة إيثار الدقيقة: “ظناً منهم أنهم سيحلون مكان القوات المشتركة”. الحركات ربما أنها تشعر أن هناك قراراً غير معلن بإنهاء دورها العسكري عبر إغراق الميدان بمليشيات جديدة وخاصة ميليشيا ذات أصول عربية لها ثقل قبلي يمكن أن تنافسها على الأرض.
عودة إلى التهديد بالتمرد:
لذلك كان تهديد مناوي بالتمرد هو رسالة استباقية: لسنا ضد الجيش بل نتقاسم معه الشرعية وفقا لاتفاق جوبا، لكننا في نفس الوقت لن نسمح بأن يُعاد إنتاج الجنجويد بلباس جديد ليحل محلنا في دارفور.
باختصار، حساسية مناوي ليست ضد فكرة الميليشيا من حيث المبدأ – رغم أنه يرفع هذا الشعار – بل ضد ميليشيا بعينها، بزعامة بعينها، في جغرافيا بعينها، لأنها تمس ثلاث محرمات لدى الحركات: ذاكرة الصراع التاريخي بين القبائل ذات الأصول الأفريقية والأخرى ذات الأصول العربية ، صراع النفوذ على دارفور ما بعد الحرب، ومستقبل اتفاق جوبا نفسه.







إرسال تعليق