ذهب الدم على الحدود: لماذا صمتت الخرطوم عن قصف الدهابة؟

  • بتاريخ : 11 أكتوبر، 2026 - 6:13 م
  • الزيارات : 14
  • بقلم/ الهنا حميدان حسن

    “كاتبة- باحثة في الشأن السياسي”

    في صباح السبت 10 أكتوبر 2026، لم تكن طائرات الدعم السريع هي التي تحلق فوق ولاية نهر النيل، بل طائرتان حربيتان تابعتان للجيش المصري. الهدف لم يكن قاعدة عسكرية، بل منجم “العقيدات” في منطقة شمال الوادي قرب سوق الأنصاري، حيث يتجمع نحو 12 ألف شاب سوداني يبحثون عن الذهب.
    بحسب إفادات جمعتها منظمة مناصرة ضحايا دارفور من ناجين، ألقت الطائرتان نحو تسع قنابل على المنجم في وقت كان معظم المعدنين يتناولون الشاي. الحصيلة المعلنة صادمة: نحو 200 قتيل و120 جريحاً، و13 معتقلاً اقتيدوا إلى داخل الأراضي المصرية، ونزوح 10 آلاف شخص سيراً على الأقدام نحو الجبال هرباً من الطيران. روايات أخرى أكثر تحفظاً نقلها موقع سودان تربيون تتحدث عن عشرات القتلى و20 مصاباً على الأقل.
    هذه ليست المرة الأولى. في يونيو الماضي نفذ الجيش المصري حملة مشابهة وأعلن توقيف 223 شخصاً بتهمة التهريب والتنقيب غير الشرعي. وفي مارس الماضي قتل 9 معدنين في اشتباك مع حرس الحدود المصري. الرواية المصرية الثابتة هي أن المعدنين السودانيين يتسللون داخل الأراضي المصرية.
    لكن الجديد هذه المرة هو كسر حاجز الصمت من داخل معسكر الجيش نفسه.
    *مناوي: “ما حنسكت.. الدهابة ديل بشر”*
    حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، المعروف بقربه الشديد من القاهرة واعتباره مصر “الحليف الذي يخوض حرباً دبلوماسية من أجل وحدة السودان”، خرج بتصريح ناري قال فيه: *”ما حنسكت عن انتهاكات مصر، والمنقبين والدهابة ديل بشر”*.
    التصريح يحمل دلالتين خطيرتين:
    الأولى: أخلاقية. مناوي هو نفسه الذي قال قبل أيام: “الدولة هي التي قتلت واغتصبت وكونت مليشيا الدعم السريع، وحتى لو قادني هذا لحبل المشنقة فهذه هي الحقيقة”، وقال أيضا: “أمر أن الدولة تقتل مواطن بمواطن يجب أن ينتهي”. واليوم يطبق نفس المنطق على الدهابة. فالدولة التي تقتل مواطنيها عبر مليشيا، هي نفسها التي تسكت عن قتلهم عبر طيران حليف.
    الثانية: سياسية. مناوي الذي قال إن “الحرب قامت عشان تفقر المركز (الشمالية ونهر النيل)”، يجد اليوم أن أبناء المركز نفسه يقصفون في مناجمهم. فإذا كانت الحرب لإفقار المركز، فمن يقصف المركز الآن؟ وإذا كان الدهابة بشر، فهل بشر دارفور وحدهم هم من يستحقون الحماية، أم كل السودانيين؟
    موقف مناوي يضع الحكومة  في مأزق حقيقي. فالحكومة التي لم تصدر حتى الآن أي بيان إدانة لقصف مواطنيها، تجد أن أحد أهم حلفائها العسكريين يسبقها ويقول “ما حنسكت”. فهل تملك الخرطوم شجاعة أن تطلب من حليفها الأكبر وقف قصف شعبها؟
    *الذهب.. لعنة السودان*
    قطاع التعدين الأهلي اليوم يستوعب أكثر من مليوني سوداني وينتج أكثر من 80% من ذهب البلاد. بعد حرب 15 أبريل 2023، تضاعف العدد وتحولت مناجم الشمالية ونهر النيل إلى البنك المركزي الحقيقي الذي يمول كل الأطراف.
    مصر، التي تعاني أزمة اقتصادية، ترى في الذهب السوداني الرخيص شريان حياة. ومناوي، الذي يتهم الإمارات بتهريب الذهب إلى سويسرا، اتهمته هو نفسه من قبل صحف سودانية بأن مرشحه لوزارة المعادن  له مصالح في شركات ذهب .
    الجميع يتصارع على الذهب، والضحية هو الشاب السوداني الحافي الذي نزل إلى الحفرة ليجد لقمة عيش، فوجد قنبلة.
    المطلوب ليس بيان شجب. المطلوب تحقيق دولي يحدد هل القصف كان داخل السودان أم داخـل مصر، وإطلاق سراح المعتقلين الـ13، وتعويض أسر الضحايا، واتفاقية واضحة لتنظيم التعدين على الحدود حتى لا يتحول كل شاب يحمل طورية إلى هدف مشروع للطيران.
    الذهب لا يفرق بين دارفوري وشمالي، والرصاص لا يفرق. فهل يفرق ضميرنا؟
    الهنا حميدان حسن