بقلم / السفير الصادق المقلي
“كاتب- دبلوماسي سوداني”
( B )
سابعًا: السودان ليس جزيرة معزولة
وهنا نصل إلى قضية أوسع.
قد يتصور البعض أن انتصار الجيش في الميدان سيعيد السودان تلقائيًا إلى وضعه الطبيعي.
لكن السودان ليس جزيرة معزولة عن العالم.
هناك الاتحاد الأفريقي.
هناك الأمم المتحدة.
هناك المؤسسات المالية الدولية.
هناك المصارف والمؤسسات متعددة الأطراف.
هناك علاقات السودان مع شركاء التنمية.
هناك ملف الديون والإعفاء منها.
هناك علاقات السودان الإقليمية والدولية.
وهناك سؤال التحول السياسي نفسه.
لقد كان السودان قبل الحرب قد قطع شوطًا في مسار إعفاء الديون والعلاقة مع المؤسسات المالية الدولية، قبل أن تتعقد الأمور بعد انقلاب 25 أكتوبر.
ولهذا فإن استعادة السودان لعلاقاته الطبيعية مع العالم لن تكون بمجرد انتهاء المعارك.
هناك شروط سياسية واقتصادية ومؤسسية ستظل قائمة.
ثامنًا: ماذا يعني “تصفيـر العداد”؟
إذا كان المقصود أن حرب 15 أبريل خلقت واقعًا جديدًا، فهذا صحيح.
أما إذا كان المقصود أن كل ما قبلها أصبح من الماضي، وأن السودان يستطيع بعد انتهاء الحرب أن يعود ببساطة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل 15 أبريل، فهذه قراءة شديدة التبسيط.
السؤال ليس فقط: من انتصر في الحرب؟
السؤال:
*أي سودان سيخرج من الحرب؟*
هل هو السودان الذي كان قائمًا في 14 أبريل؟
أم سودان جديد؟
وإذا كان سودانًا جديدًا، فمن الذي يحدد قواعده؟
وما شكل الدولة؟
وما طبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة؟
وما موقع القوى المدنية؟
وما مصير التحول الديمقراطي؟
وما شكل النظام السياسي؟
هذه الأسئلة ستفرض نفسها على الجميع، سواء انتهت الحرب بانتصار عسكري كامل أو بتسوية سياسية.
تاسعًا: الانتصار العسكري قد يكون بداية معركة أخرى
وهنا أختلف مع فكرة أن الحسم العسكري وحده يحسم الأزمة.
قد ينتصر الجيش عسكريًا، لكن ذلك قد يكون بداية معركة سياسية واقتصادية ودبلوماسية طويلة.
لأن المجتمع الدولي لن يتعامل مع السودان باعتباره مجرد مساحة جغرافية انتهت فيها المعارك.
والاتحاد الأفريقي لن يستطيع ببساطة أن يتجاهل مسألة الشرعية والتحول الديمقراطي.
والشركاء الدوليون لن يعيدوا علاقاتهم الاقتصادية والمالية تلقائيًا لمجرد توقف إطلاق النار.
والشعب السوداني نفسه لن ينسى ما جرى قبل الحرب ولا ما جرى خلالها.
لهذا فإن من يبشر بالانتصار العسكري عليه أن يجيب أيضًا عن سؤال اليوم التالي.
وأخيرًا: لا تختصروا السودان في بندقية
يمكن أن نؤيد الجيش في معركته ضد الدعم السريع، ونرفض استمرار الدعم السريع كقوة موازية للدولة، ونرفض الجرائم التي ارتكبتها المليشيا، وفي الوقت نفسه نرفض الاعتقاد بأن الانتصار العسكري وحده كافٍ لحل الأزمة السودانية.
كما يمكن أن نختلف مع صمود، وننتقد أداءها ومواقفها، دون أن ننسب إليها تحالفًا أو نية سياسية لا نستطيع إثباتها.
المطلوب ليس الدفاع عن صمود.
والمطلوب ليس مهاجمة الجيش.
المطلوب أن نفهم أن السودان أكبر من الحرب نفسها.
15 أبريل لم تبدأ كل شيء، ولن تنهي كل شيء.
هناك 25 أكتوبر.
وهناك ما قبله.
وهناك ثورة ديسمبر ومطالبها.
وهناك دماء الشهداء.
وهناك الدولة ومؤسساتها.
وهناك علاقة السودان بالعالم.
وهناك الاقتصاد المنهار.
وهناك ملايين النازحين واللاجئين.
وهناك سؤال الديمقراطية والمدنية.
وهناك مستقبل الجيش نفسه.
وكل هذه الملفات ستظل قائمة حتى لو صمتت آخر بندقية.
لذلك، أستاذ الهندي، إن كنت ترى أن الحسم العسكري هو الخيار الصحيح، فهذا موقف سياسي يمكن مناقشته واحترام حقك في تبنيه.
لكن لا تجعل من الحسم العسكري نهاية التاريخ السوداني.
ولا تجعل من 15 أبريل ممحاة تمحو 25 أكتوبر.
ولا تجعل من الدعوة إلى التفاوض دليلًا تلقائيًا على الرغبة في إعادة الدعم السريع.
فالسودان لا يحتاج إلى “تصفير العداد”.
السودان يحتاج إلى أن يفهم كيف وصل إلى هذه الكارثة، حتى لا يخرج من حرب ليعود إلى الأسباب نفسها التي أنتجتها.
انتصار الجيش، إن تحقق، قد ينهي حربًا. لكنه وحده لن ينهي أزمة السودان.







إرسال تعليق