الفرق بين الوسيلة والغاية في ممارسة السباسة!

  • بتاريخ : 11 أكتوبر، 2026 - 7:02 م
  • الزيارات : 8
  • إن أريد إلا الإصلاح!|| محجوب مدني محجوب

    من نعم الله علينا أن حبانا دينا يصلح لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة.
    يصلح ليس في الشؤون التعبدية فقط، وإنما يصلح لجميع شؤون الحياة من رأس الدولة إلى آخر مهمة يمكن أن يقوم بها الإنسان.
    فالحلال ما أحله الله ورسوله عليه الصلاة والسلام والحرام ما حرمه ااشرع.
    الغايات لا مساس فيها، فغاية الحياة عبادة الله وحده لا شريك له.
    تأتي الفسحة في المباحات بل حتى تستمر الحياة كريمة عزيزة لكل مسلم يجب استغلال هذه المباحات للوصول بها إلى الغايات.
    فلينظر لهذه المباحات في حكم البلاد .
    تتوفر اليوم ثلاث وسائل لإدارة شؤون البلاد وهي من ضمن المباحات.
    هذه المباحات التي غايتها عبادة الله وحده لا شريك له.
    هناك ثلاث حالات لهذه المباحات.
    الأولى أن يدير شؤون البلاد نظام أسري يتوارث هذا الحكم أسرة واحدة، وهذه الحالة لا يقول بها عاقل اللهم إلا إذا فرضتها ظروف بعينها؛ ليقبل بها أهل الإسلام على مضض إلا أنها قطعا ليست نموذجا يمكن أن يحتذى به في إدارة حكم شؤون المسلمين.
    الحالة الثانية النظام العسكري بأن يتولى الحكم رجل عسكري مبدأ شؤون الناس ومنتهاه إليه، وهذه أيضا ثبت بما لا يدع مجالا للشك بأنها حالة سوى أنها تصنع الطغاة، وتفقر العباد، فلن تفعل شيئا، وقد أثبتت التجربة بأن هذه الوسيلة لا تختلف عن سابقتها سوى أن الأولى محصورة في أسرة واحدة، وهذه محصورة في المؤسسة العسكرية.
    بل لولا لطف الله ورحمته بالعباد لسلمت هذه المؤسسة العسكرية بسبب جهلها وأطماعها السلطة لمليشيا؛ لتحكم على بلد بكل طوله وعرضه وشعبه بالهلاك.
    لم يبق سوى الحالة الثالثة ألا وهي التداول السلمي للسلطة.
    التداول السلمي لإدارة شؤون البلاد فقط دون المساس بمقدرات الأمة وتاريخها ومقاصد دينها.
    هذا الحق لم يكفله الإسلام فقط بل حتى الشرائع الوضعية ادت الحق للأغلبية أن تبسط شرائعها ومعتقادتها على المجتمع.
    ما الذي جعل هذه الحالة رغم وجاهتها عصية على التطبيق في ديار المسلمين؟
    قطعا ليس السبب الإسلام، فالإسلام ليس فقط يبيح العمل بما ينغع العباد في إدارة شؤون حياتهم بل يأمر بذلك ولعل الخطاب في سورة الجمعة حينما أمر الله فيه ترك متاع الدنيا والتفرغ للعبادة.
    لم يترك هذا الخطاب مفتوحا بل قيده بأمر؛ ليثبت هذا الدين العظيم للجميع أن إعمار الأرض من أوجب واجباته، فقد قال الله تعالى:{ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الجمعة: 10]
    [1]
    هذه الآية الكريمة إطلاقا لم تفصل بين عابدة الله وذكره، وبين إعمار الأرض .
    فإن كانت تعاليم الإسلام تحث بل تأمر على استخدام الوسائل التي تعمر الأرض، فما هي الأسباب التي وقفت سدا منيعا دون ممارسة التداول السلمي للسلطة؟
    * اولى هذه الأسباب وأهمها ليست دعاة العلمانية كما يتوهم البعض بل أولى هذه الأسباب هي تماهي علماء هذه الأمة مع السلطة القائمة.
    أولى هذه الأسباب هي زهد علماء هذه الأمة من التاسيس لحكم راشد يحفظ لهذه الأمة دينها ودنياها.
    حتى تقوم بذلك لا يحتاج لمعارضة الحاكم.
    لا يحتاج ذلك للخروج على الحاكم.
    بل قد يحتاج لمساندة الحاكم ودعمه من أجل الوصول به لهذه الوسيلة التداول السلمي للسلطة.
    يحتاج لعلم رصين يربط بين ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها.
    إن غياب هذا العلم الرصين هو المسؤول عن ظهور تجارب كتنظيم القاعدة والداعشية والإرهابية وكذلك الأخوانية.
    كلها تجارب قد يجزم بحسن نيتها في تجاربها إلا أنها مرقت من إثبات دعائم السياسة في الإسلام مروق السهم من الرمية.
    مروق بالطبع بنسب متفاوتة لكنها في النهاية ما زالت حتى في الدول الإسلامية لم تقدم نموذجا يمكن أن تقتدي به كل الدول الإسلامية.
    ثاني أسباب عدم ممارسة التداول السلمي للسلطة القبضة الحديدية التي يمارسها حكام الدول الإسلامية، والحفاظ بكلتا يديهم على كرسي الحكم.
    يفعلون ذلك ليس خروجا على تعاليم الإسلام، وإنما سخروا واستغلوا هذه التعاليم؛ لتصب في أهدافهم وأغراضهم الخاصة.
    ثالث أسباب عدم ممارسة التداول السلمي للسلطة هي ادعاء البعض بأن النموذج الغربي بكل تفاصيله هو النموذج الأمثل للاقتداء به، وهذه التجربة كانت كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
    جملة القول تتلخص في شرطين:.
    أولاهما الإخلاص في التأسيس لمنهج سياسي يخدم العباد والبلاد ويحفظ لهم دينهم ودنياهم إذ أن فقدان هذا الشرط ليس فقط يفشل أي منهج بل يفرخ معه المتسلقين وأصحاب المصالح والسوقة والجهلة بل والمنافقين والدجالين، والأنظمة التي سقطت أو التي ما زالت قائمة شاهدة على ذلك.
    الشرط الثاني التمسك بتعاليم هذا الدين والاعتزاز بها مع العمل بكل ما هو مباح من أجل ترسيخ قيم التداول السلمي للسلطة، وكما جاء في الأثر الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها، فهو أحق بها.