ليس دفاعا عن كامل ولكن..عادل الباز… لم تعدل يا رجل!

  • بتاريخ : 11 أكتوبر، 2026 - 11:00 م
  • الزيارات : 6
  • بقلم / مريم الهندي 

    ليس من عادتي الدفاع عن شخص، مهما كانت صفته الاعتبارية، وخصوصاً إذا كان من الطبقة المخملية؛ حتى لا يُفهم موقفي في سياق غير سليم، أو يُحمَّل ما لا يحتمل.

    ففكرة النقد لديَّ، كحاملة قلم، لا ترتبط بالإساءة إلى أحد أو التقليل من شأنه أو التجريح فيه، مهما كانت صفته أو مكانته. وإنما هي رسالة ورؤية أطرح من خلالهما المشكلات، وأسعى إلى تقديم ما تيسر من الحلول الممكنة، ابتغاء تحقيق الفائدة العامة، مع مراعاة مشاعر القراء، سواء اتفقوا معي أم اختلفوا.

    إلا حين يُستخدم القلم للدفاع عن الوطن والأهل والأرض، في مواجهة من انتهك الحرمات، وهدد الأمن، وشتت الشمل، وزعزع السكينة؛ عندها ينبري قلمي سيفاً بتاراً، ذوداً عن وطني وأهلي وأرضي وديني.

    أما حين يكون الخلاف بين أبناء الوطن، فالأصل أن تظل الكلمة مسؤولة، وأن يبقى النقد منضبطاً بأخلاقيات المهنة وأدب الاختلاف.

    أستاذي عادل… أختلف معك هذه المرة

    أبعث أولاً باحترامي الشديد لأستاذي عادل الباز، الذي عملت معه ردحاً من الزمان في صحيفة «الأحداث». وصدقاً، فقد أكرم وفادتي سنوات، ولن أنسى له ذلك ما حييت.

    لكن هذا الامتنان لن يمنعني من قول ما أراه صحيحاً، ما دامت المصلحة الوطنية هي البوصلة التي أحتكم إليها.

    سيدي الفاضل عادل، اسمح لي هذه المرة أن أختلف معك جملةً وتفصيلاً فيما ذهبت إليه من تجريح، جاء في صورة نقد لاذع بحق السيد رئيس الوزراء، الدكتور كامل الطيب إدريس.

    صدقاً، لم أجدني متفقة مع ما ورد في مقالك، لا من حيث الأسلوب، ولا من حيث الطريقة التي تناولت بها الرجل.

    ورأيي أن المقال لا يعكس، في تقديري، أسلوبك الرصين، وفكرك الثاقب، وخبرتك المقدرة، ولا صورة عادل الباز الرجل المهذب المحترم الذي عرفته وعاصرته، والذي اعتدت أن تخرج كلماته محسوبة، وأن تحمل عباراته من الدلالات ما يتجاوز ظاهرها.

    فيا عادل، لم تعدل هذه المرة!

    وليس معنى ذلك أن رئيس الوزراء فوق النقد، أو أن الاختلاف معه ممنوع، وإنما لأن النقد، مهما اشتدت حدته، يفقد جزءاً من قيمته حين يتحول من مناقشة الأداء إلى النيل من الشخص.

    إدارة الخصومة فن… والنقد مسؤولية

    لا شك أن إجادة إدارة الخصومة، وممارسة النقد، فنٌّ إن أُحسن استخدامه أسهم في تقويم الناقد قبل المنتقَد.

    فالنقد الحقيقي لا يُقاس بحدة الألفاظ، ولا بعدد الصفات القاسية التي نطلقها على الآخرين، وإنما بقدرته على كشف الخلل، وتحديد المسؤولية، وتقديم البدائل والحلول.

    وأنا، على سبيل المثال، لا تربطني بالسيد رئيس الوزراء أدنى علاقة شخصية تُذكر؛ فقد التقيته مرة واحدة فقط، ولم أجالسه إلا تلك المرة.

    وخرجت بانطباع شخصي لا أدّعي أنه ملزم لأحد، ولا أقدمه باعتباره حقيقة مطلقة. رأيت الرجل مهذباً ومتواضعاً، يحترم الآخرين، ويرحب بضيوفه.

    وهذا انطباعي عنه، ولن يتغير ما لم يتغير ما بُني عليه.

    لكن هذا الانطباع الشخصي، إيجابياً كان أم سلبياً، لن يحجب عني الرؤية، ولن يمنعني من نقده بصفته رئيساً للوزراء، وتقييم سياساته وقراراته وممارساته العامة، سلباً أو إيجاباً، دون خروج عن الموضوعية.

    فقد وجدتني، في مناسبات عديدة، على خلاف مع بعض سياساته وتوجهاته، وعالجت ذلك بتقديم مقترحات ورؤى في الملفات السياسية والاقتصادية، وقضايا معاش الناس، والتعليم، والصحة، والسلم المجتمعي.

    كما عاتبته على ما أراه استفادة من بعض الأفكار التي سبق أن قدمتها إليه موثقة ومؤرخة، دون مراعاة كافية لملكيتي الفكرية، بحسب تقديري.

    وكان بإمكاني أن أستخدم في نقده نعوتاً قاسية، وربما وجدت من الوقائع التي أستند إليها ما يعزز موقفي، لكنني اخترت أن أتناول ما أراه خللاً من خلال الحجة والطرح الموضوعي.

    فالله لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم، وحتى حين يشعر الإنسان بالظلم، تظل الحكمة في اختيار الوسيلة التي تحفظ الحق ولا تهدر الكرامة.

    فنحن أصحاب قضية قبل أن نكون أصحاب أقلام.

    وعدونا الذي يهدد السودان ويترصد به يقف على الأبواب، ولا يفرق بين كاملنا وناقصنا، ولا بين من نتفق معهم ومن نختلف معهم.

    ولذلك، فإنني أؤمن بأن هذه ليست اللحظة المناسبة لتصفية الحسابات الشخصية أو الانشغال بعتاب قد ينتظر، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى جمع الصفوف وتوجيه الجهود نحو ما يحفظ الوطن وأهله.

    حين يتحول النقد إلى تجريح

    ولعمري، فإن النقد الذي يحتشد بالإساءة والتقليل والتجريح لا يعود نقداً بالمعنى المهني السليم، بل يتحول إلى سلوك شخصي قد يعجز عن الانتصار للفكرة، فيستعيض عن الحجة بحدة العبارة.

    ولا أجد في ذلك ما يليق بأخلاقيات المهنة، ولا بتاريخ صحفي يمتلك الخبرة والقدرة على التحليل والتأثير.

    إن تقديم أدب الاختلاف على خلاف الأدب أولى وأعظم، وإن إدارة الخلاف بحكمة لا تعني التنازل عن الحق، كما أن احترام الأشخاص لا يعني الموافقة على سياساتهم.

    وعموماً، فإن منصب رئيس الوزراء منصب ذو مكانة اعتبارية، يستوجب التعامل معه بما يحفظ هيبة مؤسسات الدولة، حتى في أشد حالات الاختلاف أو الخصومة السياسية.

    فإن كانت شخصية رئيس الوزراء غير مقبولة لدى البعض، لأي سبب كان، فإن ذلك يجب ألا يصرفنا عن احترام الصفة الاعتبارية التي يمثلها، وألا يجعلنا نخلط بين تقييم الشخص واحترام المؤسسة.

    أما سلوكه العام في إطار منصبه، ومدى التزامه بما يليق به من أعراف المراسم والبروتوكول، فذلك يدخل أيضاً ضمن مسؤوليات طاقمه المختص، ومكتبه التنفيذي، ووحدة المراسم والبروتوكول.

    عادل الباز… هل أنصفك انطباعك الشخصي؟

    يبدو لي، يا سيدي الفاضل عادل، أنك لم تكن منصفاً في حديثك عن الرجل، وأن انطباعك الشخصي عنه قد غلب على تقييمك لمواقفه وتصرفاته.

    وهذا ما فهمته من مقالك، خصوصاً حين تحدثت عن دخولك المتأخر إلى المناسبة، وعدم رغبتك المسبقة في المشاركة، سواء مستمعاً أم متحدثاً، ثم جلوسك في آخر الصف، وما ترتب على ذلك من انطباعات سلبية تجاه رئيس الوزراء.

    وهنا أسألك، بكل احترام:

    إذا كنت غير راغب في الحضور من الأساس، فما الذي ألزمك بالبقاء؟

    ألم يكن بإمكانك الاعتذار عن الحضور، أو المغادرة إذا شعرت بأن المناسبة لا تناسبك؟

    ولماذا تحول ما وصفته من مواقف وتصرفات إلى مادة لنقد بهذه الحدة؟

    لقد تركت لي هذه التفاصيل انطباعاً بأنك دخلت المناسبة وأنت تحمل موقفاً سلبياً مسبقاً، ثم خرجت منها وقد تعزز ذلك الموقف، فانعكس على تقييمك للرجل.

    وهذا، بالطبع، مجرد قراءتي لما كتبته، وليس حكماً على نواياك؛ فالنوايا لا يعلمها إلا الله.

    لكنني أرى أن النقد المنصف يقتضي الفصل بين ما وقع بالفعل، وما فهمناه منه، وما شعرنا به تجاهه.

    كما أنني لا أرى أن تأخر الضيف أو جلوسه في آخر الصف يكفيان وحدهما للحكم على طبيعة مشاركته أو دوافع حضوره، مثلما لا يكفي انطباع شخصي واحد للحكم على مجمل أداء مسؤول عام.

    ولا أدري كيف عالجت المراسم مسألة دخولك المتأخر، إن كان لذلك أثر في تنظيم المناسبة؛ فهذه مسألة إجرائية يمكن بحثها بعيداً عن التقييم الشخصي.

    وهنا أعود إلى النقطة التي بدأت منها: إن مسؤولية ضبط المراسم وتنظيم المناسبات الرسمية تقع أيضاً على عاتق الجهات المختصة، ولا ينبغي أن تتحول الملاحظات المتعلقة بها إلى مبرر لتجريح الأشخاص.

    هل أصبح النقد بديلاً عن الحلول؟

    إن العبارات التي أوردتها في وصف رئيس الوزراء، مثل «جهل مريع»، و«ضيق صدر»، و«فقدان للحجة»، و«تصرفات طفولية»، و«كلام ساكت»، عبارات شديدة القسوة، وقد قرأتها بوصفها أحكاماً شخصية أكثر من كونها تحليلاً موضوعياً للأداء.

    وإذا كان تقييمك للرجل بهذه السلبية، فإنني أتساءل: ما البديل الذي تقترحه؟ وما الحلول التي تراها ممكنة لتصحيح ما تعتقد أنه خلل في الأداء؟

    هل نكتفي بإطلاق الأحكام، أم ننتقل إلى مناقشة السياسات والقرارات، وتحديد أوجه القصور، وتقديم البدائل؟

    بل إن حدة نقدك تدفعني، على سبيل المفارقة، إلى طرح سؤال ساخر:

    هل نرفع توصياتنا إلى السيد رئيس مجلس السيادة بإعفاء الدكتور كامل الطيب إدريس، وتعيين الأستاذ عادل الباز رئيساً للوزراء، تقديراً لبراعته في إبراز عضلاته الفكرية واللسانية؟

    بالطبع، ليس هذا اقتراحاً جاداً، وإنما مفارقة أردت بها أن أوضح لك أن امتلاك القدرة على النقد، مهما بلغت، لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة الدولة، كما أن انتقاد المسؤول لا يكفي وحده لإثبات صلاحية الناقد لتولي منصبه.

    فلكل موقع متطلباته، ولكل مسؤولية أدواتها، والحكم على أهلية شاغلي المناصب العامة ينبغي أن يستند إلى معايير موضوعية وأداء قابل للتقييم، لا إلى الانطباعات الشخصية وحدها.

    لماذا نقبل العفوية من مسؤول ونرفضها من آخر؟

    سيدي الفاضل عادل، ليس مطلوباً منك أن تحب شخصاً أو تمقته حتى تمارس مهنتك.

    ولنأخذ مثالاً آخر: قد تصدر عن السيد رئيس مجلس السيادة نفسه تصرفات عفوية أو عبارات غير رسمية، يراها بعض المواطنين خفيفة ولطيفة، ويشعرون بأنها تقرب المسافة بين الراعي والرعية.

    فلماذا قد يُنظر إلى العفوية ذاتها بصورة مختلفة حين تصدر عن رئيس الوزراء؟

    أليس من الأجدى أن نضع معياراً واحداً لتقييم السلوك العام للمسؤولين، وأن نحتكم إلى السياق، وطبيعة الموقف، وآثار التصرف، ومدى اتساقه مع مقتضيات المنصب؟

    إن العدل في التقييم يقتضي ألا نكيل بمكيالين، وألا نسمح لمواقفنا الشخصية بأن تحدد وحدها ما نقبله من هذا المسؤول وما نرفضه من ذاك.

    المصلحة الوطنية أولاً

    دعنا، يا سيدي الفاضل، نعمل على تقديم نقدنا وأفكارنا وأطروحاتنا الوطنية بحكمة وسلاسة وموضوعية، وبحرية كاملة، دون تجريح أو انتقاص من الصفة الاعتبارية لمؤسسات الدولة، سواء أكانت رئاسة مجلس السيادة أم مجلس الوزراء.

    فلنطرح الأفكار، ولنناقش السياسات، ولنقدم الحلول، ولنختلف كما نشاء، ولكن من دون أن نفقد احترامنا لبعضنا أو نخلط بين الخلاف المهني والخصومة الشخصية.

    عندها سنكون قد نجحنا في تقديم نموذج للمواطن المسؤول والصحفي المهني والخبير الذي يدرك أن قيمة القلم لا تكمن في قدرته على الهدم وحده، بل في قدرته على الإصلاح أيضاً.

    وسنحقق للدولة فائدة أكبر وأبقى من تلك التي تتحقق بإظهار مشاعر المقت أو الكراهية أو إطلاق الأحكام الشخصية.

    ولا ننسى أن الدكتور كامل الطيب إدريس لم يصل إلى موقعه الحالي بقرار من الصحفيين أو الكُتّاب، وإنما جاء في إطار ترتيبات الدولة وقرار قيادتها؛ ولذلك فإن تقييم تجربته يجب أن يتناول أداءه الفعلي، ومسؤولياته، والنتائج التي يحققها، ومدى قدرته على التعامل مع تحديات المرحلة.

    وما أود الإشارة إليه هو أننا بحاجة إلى تقديم المصلحة الوطنية العليا على انطباعاتنا الخاصة، وأن نضع خلافاتنا الشخصية في حجمها الطبيعي، فلا نجعلها تحجب عنا ما هو أكبر وأهم.

    فالسودان اليوم أحوج ما يكون إلى الكلمة المسؤولة، والرأي الرشيد، والنقد الذي يضيء الطريق ولا يزيد الظلام كثافة.

    دعونا نوقد شمعة في هذا الظلام الحالك، بدلاً من الاكتفاء باللعن الذي لا يقدم حلاً ولا يرد وطناً.

    مودتي واحترامي