الوطن فوق كل اعتبار… كفى تدويلًا للأزمة السودانية، وليبدأ الحل من الداخل

  • بتاريخ : 11 أكتوبر، 2026 - 11:06 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم: د. سعاد فقيري

    لماذا نفتح الأبواب على مصاريعها أمام التدخلات الأجنبية في شؤوننا الداخلية، ونسمح بأن تتجاوز العلاقات الدولية حدود التعاون المشروع إلى التأثير في استقلال القرار الوطني وسيادة الإرادة السودانية؟ ولماذا كلما استعصت علينا مشكلة داخلية، اتجهنا إلى الخارج بحثًا عن حل، وكأن السودان قد عجز عن إنجاب العقول القادرة على إدارة أزماته، أو أن شعبه فقد حقه في تقرير مصيره وصناعة مستقبله؟
    إنها أسئلة مشروعة، بل واجبة، في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تتعاظم التحديات، وتتداخل المصالح، وتتزايد المخاطر التي تهدد وحدة البلاد واستقرارها ومستقبل أجيالها.
    إن السودان ليس قضية تبحث عن وصاية، ولا وطنًا ينتظر من الآخرين أن يقرروا نيابة عن أبنائه، وإنما دولة ذات سيادة، وشعب يمتلك من الخبرات والكفاءات والتجارب ما يؤهله للمشاركة في صياغة الحلول، متى توافرت الإرادة الوطنية الصادقة، وتقدمت مصلحة الوطن على المصالح الحزبية والشخصية.
    إلى الذين حكموا السودان بالأمس… ماذا تغير اليوم؟
    أقولها بكل وضوح ومسؤولية: إن من تولوا مسؤولية الحكم في السودان، وشغلوا مواقع القرار، وجلسوا على كراسي السلطة، يتحملون مسؤولية تاريخية وأخلاقية تستوجب منهم مراجعة التجربة السياسية بكل شجاعة وشفافية.
    فمن كان بالأمس في موقع اتخاذ القرار، ويمتلك أدوات السلطة ومؤسسات الدولة، ثم يجد نفسه اليوم خارجها، مطالبًا بالبحث عن حلول لأزمات البلاد عبر العواصم الأجنبية والمنابر الدولية، عليه أن يتوقف قليلًا أمام سؤال جوهري: لماذا لم تنجح التجربة السابقة في بناء توافق وطني مستدام؟ وأين أخفقت القوى السياسية في إدارة الاختلاف، وصيانة المؤسسات، وترسيخ ثقافة التداول السلمي للمسؤولية؟
    إن الخروج من السلطة لا ينبغي أن يتحول إلى بداية رحلة جديدة للبحث عن النفوذ من خارج الحدود، كما أن فقدان الموقع السياسي لا يبرر نقل الخلافات الوطنية إلى ساحات تتقاطع فيها مصالح الدول مع حسابات القوى السودانية.
    فالسلطة ليست غاية في ذاتها، والسياسة ليست معركة لاستعادة المقاعد، والوطن ليس ملكًا لحزب أو جماعة أو تيار سياسي بعينه.
    ومن أراد أن يخدم السودان بعد مغادرة السلطة، فليثبت أن خدمته للوطن أكبر من ارتباطه بالمنصب، وأن انتماءه للسودان أسبق من انتمائه إلى الحزب، وأن مشروعه الوطني لا يتوقف عند حدود الكرسي الذي غادره.
    إن مراجعة التجربة السابقة ليست انتقامًا من أحد، ولا إقصاءً لقوى سياسية بعينها، بل هي ضرورة وطنية تقتضي الاعتراف بالأخطاء، وتقييم السياسات، واستخلاص الدروس، وتقديم برامج عملية تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو استدعاء التدخلات الخارجية.
    تدويل الأزمة ليس بديلًا عن الإرادة الوطنية
    لا خلاف على أن العلاقات الدولية، والدبلوماسية، والوساطات، والتعاون الإقليمي والدولي، يمكن أن تؤدي أدوارًا مهمة في دعم السلام، وتيسير الحوار، وتقديم المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار. لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين الاستفادة من الجهود الدولية وبين تحويل الخلافات الداخلية إلى ملفات تتنازعها الأجندات الخارجية.
    فالتعاون الدولي الذي يحترم سيادة السودان ويستند إلى إرادة وطنية واضحة يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا في معالجة الأزمة. أما الارتهان للحسابات الخارجية، أو التعويل على قوى دولية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، فيحمل مخاطر إضعاف الثقة الوطنية وتعقيد فرص التوافق.
    وليس من الحكمة أن يتصور أي طرف سياسي أن الطريق إلى السلطة يمر بالضرورة عبر الخارج، أو أن الضغوط الدولية وحدها تستطيع أن تنتج استقرارًا مستدامًا داخل السودان.
    فمهما تعددت المبادرات، وتنوعت المنابر، وكثرت المؤتمرات، تظل التسوية الحقيقية بحاجة إلى قبول وطني واسع، وإلى مؤسسات قادرة على التنفيذ، وإلى إرادة سياسية تعترف بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على انتصار طرف وإلغاء الآخرين.
    إن العالم قد يساعدنا في فتح الأبواب، لكنه لا يستطيع أن يصنع نيابة عنا توافقًا وطنيًا إذا كنا نحن لا نريده، ولا يمكن لأي مبادرة خارجية أن تعوض غياب الثقة بين السودانيين أنفسهم.
    الحل يبدأ من الداخل… لا من حسابات المصالح
    إن السودان بحاجة اليوم إلى مشروع وطني جامع، لا إلى سباق سياسي محموم نحو استعادة السلطة، ولا إلى مبادرات متفرقة تتنافس على الاعتراف الخارجي أكثر مما تتنافس على تقديم حلول واقعية للمواطن السوداني.
    نحتاج إلى أن تجلس القوى السياسية، بمختلف اتجاهاتها، أمام مائدة وطنية واحدة، لا بوصفها أطرافًا تتربص بعضها ببعض، وإنما بوصفها قوى تتحمل مسؤولية مشتركة تجاه وطن أنهكته الحرب والانقسامات والأزمات المتراكمة.
    ويجب أن يبدأ هذا المسار بالاتفاق على مبادئ واضحة، في مقدمتها:
    سيادة السودان ووحدة أراضيه: ورفض أي ترتيبات تنتقص من استقلال قراره الوطني أو تجعل مستقبل شعبه رهينًا لتوازنات خارجية.
    وقف الحرب ومعالجة آثارها: والعمل الجاد لإنهاء القتال، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين إلى حياة آمنة وكريمة.
    حوار وطني شامل: يضم القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، والشباب والنساء، وأصحاب الخبرات والكفاءات، مع معالجة عادلة لقضايا التهميش والمظالم التاريخية.
    إصلاح مؤسسات الدولة: وإعادة بناء المؤسسات العامة على أسس الكفاءة والمهنية وسيادة القانون، بعيدًا عن المحاصصات والولاءات الضيقة.
    الاتفاق على مسار سياسي واضح: يحدد أولويات المرحلة الانتقالية، وضمانات المشاركة، وآليات الرقابة والمساءلة، وصولًا إلى حكم مدني ديمقراطي مستقر يستند إلى إرادة الشعب.
    تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي عاجل: يعالج تدهور الخدمات والمعيشة، ويدعم الإنتاج، ويعيد تأهيل التعليم والصحة والبنية التحتية، ويمنح المواطن أملًا حقيقيًا في المستقبل.
    هذه ليست شعارات للاستهلاك السياسي، بل استحقاقات ينبغي أن تتحول إلى التزامات معلنة، وجداول زمنية قابلة للمتابعة، وآليات واضحة للمحاسبة.
    رسالة إلى القيادات السياسية: راجعوا أنفسكم قبل أن تطلبوا من الآخرين مراجعة السودان
    إن المسؤولية الوطنية لا تقتصر على من هم في السلطة اليوم، ولا تسقط عن الذين غادروها بالأمس. فكل من شارك في إدارة الشأن العام، أو أسهم في تشكيل المشهد السياسي، أو امتلك فرصة للتأثير في مسار البلاد، مطالب بأن يراجع دوره بموضوعية، وأن يجيب عن الأسئلة الصعبة دون مراوغة.
    ما الذي قدمناه للسودان؟ وما الذي أخفقنا في تحقيقه؟ وهل كانت خلافاتنا السياسية على البرامج والرؤى، أم تحولت في بعض مراحلها إلى صراع على المواقع والنفوذ؟ وهل منحنا الأولوية لبناء المؤسسات، أم انشغلنا بتوازنات السلطة؟ وهل تعلمنا من أخطاء الماضي، أم نعيد إنتاجها بأدوات جديدة؟
    إن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من مكانة السياسي، بل قد يكون بداية استعادة ثقة الشعب. أما الإصرار على تكرار التجارب نفسها، مع انتظار نتائج مختلفة، فلن يقود البلاد إلى مخرج حقيقي من أزمتها.
    والسياسي الذي يمتلك رؤية وطنية ينبغي أن يكون مستعدًا للتنازل عن بعض مطالبه الحزبية إذا تعارضت مع المصلحة العامة، وأن يقبل بالشراكة مع المختلفين معه، وأن يدرك أن شرعية العمل السياسي لا تُقاس بمدى القبول الخارجي وحده، وإنما بقدرته على التعبير عن تطلعات المواطنين واحترام حقوقهم.
    فليس كل من وصل إلى الخارج قد اقترب من حل الأزمة، وليس كل من بقي داخل الوطن قد عجز عن صناعة الحل. العبرة ليست بالمكان الذي تُعقد فيه الاجتماعات، وإنما بمدى صدق الإرادة، ووضوح الأهداف، واحترام السيادة، والقدرة على تحويل الأقوال إلى أفعال.
    الوطن أكبر من الأحزاب… وأبقى من الكراسي
    علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا الوطنية. فالسودان الذي نريده لا يمكن أن يُبنى بعقلية الغالب والمغلوب، ولا بمنطق الانتقام السياسي، ولا بمحاولات احتكار الوطنية أو مصادرة حق الآخرين في المشاركة.
    إن اختلاف الآراء لا ينبغي أن يكون مبررًا لتفكيك الدولة، والتنافس السياسي لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإضعاف الوطن، والخلاف حول إدارة الحكم لا ينبغي أن يدفع أي طرف إلى الاستعانة بالخارج لتحقيق مكاسب على حساب أبناء بلده.
    إن القوى السياسية السودانية مطالبة اليوم بأن ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية، وأن تدرك أن استمرار الأزمة يضاعف معاناة المواطنين، ويستنزف موارد البلاد، ويضعف مؤسساتها، ويجعلها أكثر عرضة لتأثيرات المصالح المتعارضة.
    كما أن المسؤولية لا تعني إغلاق أبواب السودان أمام العالم، أو رفض الوساطات والمساعدات، وإنما تعني التعامل معها من موقع الندية والوضوح، وبما يخدم المصالح الوطنية، ويحفظ استقلال القرار، ويمنع استخدام معاناة السودانيين أداةً للمساومة السياسية.
    فالسودان يحتاج إلى أصدقاء وشركاء، لا إلى أوصياء؛ وإلى تعاون يحترم سيادته، لا إلى حلول تُفرض عليه؛ وإلى علاقات دولية متوازنة، لا إلى استدعاء الخارج كلما تعذر التفاهم في الداخل.
    خاتمة: عودوا إلى الوطن… فهنا تبدأ المسؤولية
    إلى كل القيادات السياسية السودانية، وإلى كل من تولى مسؤولية الحكم أو يطمح إلى توليها، وإلى كل من يرى في نفسه القدرة على تقديم مشروع لإنقاذ البلاد: إن التاريخ لا يسجل فقط من وصل إلى السلطة، بل يسجل أيضًا كيف تعامل معها، وكيف غادرها، وماذا قدم لوطنه حين أصبح خارج دائرة القرار.
    عودوا إلى جوهر القضية، وانظروا إلى السودان قبل أن تنظروا إلى مواقعكم السياسية. اجعلوا المواطن الذي فقد بيته، والطفل الذي انقطع عن مدرسته، والمريض الذي يبحث عن العلاج، والأسرة التي تنتظر العودة إلى ديارها، محور تفكيركم وقراراتكم.
    لا تجعلوا خلافاتكم سببًا في إطالة معاناة شعبكم، ولا تحولوا طموحاتكم السياسية إلى جسور تعبر عليها أجندات لا تتطابق بالضرورة مع مصالح السودان. افتحوا أبواب الحوار بينكم، واعترفوا بالأخطاء، وتوافقوا على الحد الأدنى الذي يحفظ الدولة ويصون كرامة المواطن.
    فالوطن لا ينتظر من أبنائه خطابات جديدة بقدر ما ينتظر أفعالًا صادقة، ولا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات بقدر حاجته إلى إرادة تُنهي الحرب، وتعيد بناء المؤسسات، وتسترد الثقة، وتفتح الطريق أمام السلام والاستقرار والتنمية.
    إن السودان أكبر من أي حزب، وأبقى من أي قيادة، وأعظم من كل كرسي سلطة. ومن لم يستطع أن يجعل الوطن فوق اعتباره الشخصي والحزبي، فعليه أن يعيد النظر في معنى المسؤولية الوطنية قبل أن يطلب من الشعب أن يمنحه ثقته من جديد.
    فلنختلف داخل وطننا، ولنتحاور داخل وطننا، ولنعالج جراحنا بإرادة وطنية تستفيد من أصدقاء السودان دون أن ترهن قرار السودان لأحد.
    الوطن فوق كل اعتبار… والحل يبدأ من الداخل، حين تتقدم مصلحة السودان على كل ما عداها.