بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام
ثمة سؤال موجع يفرض نفسه على كل سوداني يتأمل ما آلت إليه بلاده: إذا كان المواطن يخسر بيته وأرضه ومدخراته ومستقبله بسبب الحرب، فمن الذي يربح منها؟
*السؤال لا يتعلق بمن يحقق تقدماً عسكرياً، بل بمن تتحول الفوضى بالنسبة إليه إلى فرصة ثراء.* فالحرب لا تدمر الاقتصاد وحده، بل تنشئ على أنقاضه اقتصاداً موازياً، تتداخل فيه التجارة المشروعة مع التهريب والنهب وفرض الإتاوات. ومع امتداد الصراع، تتشكل مصالح لا ترى في السلام فرصة للنهوض، بل تهديداً مباشراً لمكاسبها. وهنا تكمن إحدى معضلات الحروب الطويلة: أن استمرارها يصبح مصلحة لبعض المستفيدين منها، بينما يتحمل المجتمع بأسره كلفتها.
*حين تتوقف المصانع وتتراجع الزراعة، لا تختفي الحركة الاقتصادية بل تتغير طبيعتها.* تزداد أهمية طرق الإمداد والنقل، وتتسع التجارة غير الرسمية، وتنشط شبكات التهريب والاستيلاء على الممتلكات. وفي المناطق التي تضعف فيها سلطة القانون، تتحول السيطرة على طريق أو معبر أو سلعة إلى مصدر للجبايات والأرباح الاستثنائية.
*وهنا يجب التمييز بدقة حتى لا نظلم أحداً.* فهناك تاجر شريف يخاطر بحياته لتوفير الغذاء والدواء للناس، ويتحمل الخسائر ليحافظ على أرزاقه وخدمة مجتمعه، وهذا جزء من صمود المجتمع لا جزء من اقتصاد الحرب. أما المشكلة فتبدأ حين تُستخدم القوة لفرض الإتاوات، أو الاستيلاء على الممتلكات، أو تمويل العمليات المسلحة، أو تحقيق مكاسب غير مشروعة من معاناة المدنيين. عندها لا يعود الاقتصاد ضحية للحرب فحسب، بل يصبح أحد محركات ومسببات إطالتها.
*في الجانب الآخر من هذه المعادلة يقف المواطن السوداني وحده يدفع الثمن.* مزارع فقد أرضه ووسائل إنتاجه، وصاحب مصنع تعطلت معداته، وتاجر خسر رأس ماله، وموظف تآكل دخله، وأسرة باعت مدخراتها لتوفير الغذاء والعلاج وتكاليف النزوح. والخسائر لا تُقاس بما دُمّر من مبانٍ فقط، بل بما ضاع من سنوات تعليم وعمل ومشروعات لم ترَ النور، وأطفال حُرموا من المدارس وشباب فقدوا فرصتهم في بدء حياتهم المهنية.
*والأشد إيلاماً أن المواطن الذي فقد مصدر رزقه يصبح أكثر اعتماداً على المساعدات،* وأقل قدرة على حماية أسرته والتخطيط لمستقبله، بينما يحقق بعض المستفيدين من الفوضى مكاسب على حسابه. وتتجلى هنا المفارقة الكبرى: شعب يخسر مقومات حياته، وآخرون يجدون في انهيار تلك المقومات فرصة للربح والنفوذ.
*لا يمكن فهم قدرة أي حرب على الاستمرار دون تتبع مصادر تمويلها.* فالسلاح والوقود والنقل والاتصالات تحتاج إلى أموال وتدفقات تجارية مستمرة، قد تتداخل مع تجارة الموارد الطبيعية كالذهب والصمغ العربي والماشية، أو تمويل وتجارة الوقود، أو مع شبكات الوساطة والتهريب العابرة للحدود.
*والتجربة الدولية تؤكد أن السلام لا يكتمل بتوقف الرصاص وحده، بل بتفكيك اقتصاد الحرب:*
– - في رواندا بعد إبادة 1994، لم تكتفِ الدولة بالمحاكم الجنائية، بل أنشأت آلية لمصادرة ممتلكات مجرمي الحرب وإعادة الأراضي المنهوبة إلى أصحابها.
– - وفي كولومبيا بعد اتفاق 2016، كان البند الأصعب هو بند الأراضي والمخدرات، حيث أُلزمت حركة فارك بالكشف عن مسارات تمويلها من تجارة الكوكايين وإعادة الأراضي التي استولت عليها.
– وفي سيراليون، كانت تجارة الألماس هي وقود الحرب، ولم يتوقف القتال إلا بعد إنشاء آلية عملية كيمبرلي لتتبع مسار الألماس ومنع بيع ما سُمي بـ ألماس الدم.
– - وفي لبنان بعد اتفاق الطائف، فكان الخطأ الأكبر هو السماح لأمراء الحرب بتحويل مكاسب الحرب إلى امتيازات دائمة في زمن السلم عبر صفقات المحاصصة، فبقي اقتصاد الحرب حياً تحت مسمى اقتصاد السلام.
*الدرس واضح: الحرب لا تنتهي إلا بتجفيف منابع تمويلها.* ولذلك فإن المطلوب في السودان ليس إطلاق اتهامات مرسلة، بل تحقيق مهني مستقل يكشف مسارات الأموال، ويحدد المستفيدين من الأنشطة غير المشروعة، ويحاسبهم وفق القانون، لأن الاشتباه وحده لا يغني عن الدليل.
*قد يتحدث الجميع عن السلام، لكن مصالحهم الفعلية قد تتعارض معه.* فمن اعتاد تحقيق مكاسب استثنائية بسبب غياب الرقابة والسيطرة على الموارد والطرق، سيجد في قيام دولة قوية تطبق القانون تهديداً مباشراً لمصالحه، ويخشى أن تؤدي أي تسوية إلى مراجعة ما حصل عليه واسترداد الحقوق إلى أصحابها. وهذه احتمالات لا يجوز تعميمها دون أدلة، لكنها تكشف أهمية معالجة الجانب الاقتصادي للحرب، فالسلام المستدام لا ينبغي أن يتحول إلى مظلة تحمي المكاسب غير المشروعة.
*إن وقف القتال خطوة أساسية، لكنه لا يضمن اختفاء المصالح التي تكونت خلاله.* لذلك يجب أن يصاحب أي مسار للسلام برنامج واضح لتحرير الاقتصاد من الابتزاز والعنف، يبدأ بإعادة تشغيل المشروعات الزراعية والصناعية، وحماية المنتجين، وتأمين طرق التجارة، واستعادة الرقابة على الموارد والإيرادات العامة. ويمتلك السودان كل مقومات النهوض في زراعته وثروته الحيوانية وصناعاته وتعدينه، لكنها لن تتحول إلى قوة حقيقية إلا إذا أُديرت بشفافية ووصلت عائداتها إلى الاقتصاد الوطني.
*ولهذا أقترح* أن يكون كشف اقتصاد الحرب جزءاً من مشروع وطني أوسع، *عبر إنشاء مفوضية وطنية مستقلة* لتتبع الأموال وتمويل وتجارة الوقود والموارد واسترداد الممتلكات والحقوق، تُمنح الصلاحيات القانونية لإجراء مراجعة اقتصادية موثوقة تكشف حجم الخسائر، وتحدد الموارد التي استُنزفت، وتضع أسساً لاسترداد الحقوق وإعادة توجيهها نحو الإنتاج. فالهدف ليس تعطيل الاقتصاد بحجة محاربة اقتصاد الحرب، بل تحريره وجعل العمل والإنتاج أكثر جدوى من استغلال الفوضى.
*إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد توقف الحرب هو أن نكتفي بإحصاء الدمار،* ثم نغفل عن الشبكات التي ساعدت على استمراره، فتتحول مكاسب الحرب إلى امتيازات دائمة في زمن السلام. ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: متى تتوقف الحرب في السودان؟ بل أيضاً: من يستفيد من استمرارها، وما الذي يمنع تحويل تلك الاستفادة إلى مصلحة في السلام؟
الإجابة لا تكون بالتخمين أو الاتهام، بل بالتحقيق والشفافية والمساءلة. فحين تصبح موارد البلاد في خدمة الإنتاج، ويصبح القانون أقوى من السلاح، وتصبح حماية المواطن مقدمة على مصالح المستفيدين من الفوضى، عندها فقط يمكن أن نكسر الحلقة التي تجعل الحرب قابلة للاستمرار. فالسودان لا يحتاج إلى إنهاء القتال فحسب، بل إلى ألا تتحول مأساته إلى تجارة، وألا يصبح خراب الوطن فرصة للثراء على حساب أبنائه.







إرسال تعليق