نفيسة المليك.. سيرة امرأة صنعت جزءاً من تاريخ التعليم والحركة النسائية في السودان

  • بتاريخ : 20 أغسطس، 2026 - 11:07 ص
  • الزيارات : 204
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق- المحامي والمستشار القانوني

    رحلت الأستاذة نفيسة أبو بكر المليك يوم الأربعاء 19 أغسطس 2026 في دولة الإمارات العربية المتحدة، عن عمر ناهز 95 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة بارزة من تاريخ التعليم والعمل النسائي والاجتماعي في السودان. وقد ارتبط اسمها على مدى عقود بالتعليم، وتعليم البنات، والعمل النقابي، والحركة النسائية، والعمل العام.

    ولدت نفيسة أبو بكر المليك عام 1932 في مدينة رفاعة بولاية الجزيرة، ونشأت في أسرة اهتمت بالتعليم والعمل الاجتماعي. وتنقلت في مراحل تعليمها الأولى بين رفاعة وبورتسودان والخرطوم بحري بحسب ظروف عمل والدها، ثم أكملت تعليمها الأوسط بمدرسة أم درمان الوسطى للبنات، والتحقت بكلية المعلمات وتخرجت فيها.

    بدأت نفيسة المليك مسيرتها في التعليم وهي في سن مبكرة للغاية؛ ففي عام 1946 عملت في مجال محو الأمية وهي في الرابعة عشرة من عمرها تقريباً، لتصبح من أصغر المعلمات السودانيات في ذلك الوقت. وكانت مشاركتها في تعليم النساء ومحو الأمية جزءاً من نشاط اجتماعي ووطني في مرحلة كان فيها السودان يعيش مخاض التحرر من الاستعمار، وكانت فرص التعليم أمام الفتيات محدودة.

    وفي عام 1947 التحقت بدورة تأهيلية في كلية المعلمات للعمل في المدارس الوسطى، ثم عملت معلمة في كلية المعلمات بأم درمان. ومنذ تلك السنوات لم يعد التعليم بالنسبة إليها مجرد وظيفة، بل أصبح رسالة ارتبطت عندها بقضايا المجتمع والمرأة وحق الفتيات في المعرفة.

    كانت نفيسة المليك من الأسماء المؤسسة للعمل النقابي للمعلمات، وأسهمت في تأسيس اتحاد المعلمات الذي تطور لاحقاً إلى نقابة، وتولت رئاسته بين عامي 1950 و1953. وقد ارتبط نشاطها النقابي بالمطالبة بتحسين أوضاع المعلمات، والمساواة في الأجور وساعات العمل، ومراعاة ظروف العمل في المناطق الريفية، إلى جانب توسيع فرص تعليم الإناث.
    وفي عام 1952 كانت من المؤسسين للاتحاد النسائي السوداني، وتولت رئاسته بين عامي 1953 و1955 في دورتين متتاليتين. وكان قيام الاتحاد محطة مهمة في تاريخ المرأة السودانية، إذ جمع جهوداً نسائية منظمة للدفاع عن التعليم ومحو الأمية والصحة والقضايا الاجتماعية والحقوق العامة للمرأة.

    ومن أشهر ما ارتبط باسمها مقال «أما آن لنا أن نستيقظ»، الذي كان له أثر في الدفع نحو بلورة فكرة تنظيم النساء في اتحاد نسائي. وقد أدركت نفيسة المليك مبكراً أن قضية المرأة لا يمكن فصلها عن قضية المجتمع، وأن تعليم المرأة وتمكينها من المشاركة في الحياة العامة يمثلان جزءاً أساسياً من نهضة السودان.

    وكانت كذلك عضواً مؤسساً وممولة لمجلة «صوت المرأة»، وشاركت في التخطيط لها وتحريرها، كما ساهمت في إعداد المواد الخاصة بركن الاتحاد النسائي في الإذاعة السودانية. وأسهم الإعلام النسائي في تلك الفترة في فتح مساحة جديدة للمرأة السودانية للتعبير عن قضاياها ومناقشة حقوقها ودورها في المجتمع.

    وامتد نشاطها إلى إنشاء مدارس الاتحاد النسائي، وإلى العمل من أجل نشر التعليم بين الفتيات والنساء. وكانت ترى أن التعليم لا ينبغي أن يقتصر على المعرفة الأكاديمية، بل يجب أن يمنح الفتاة الوعي والقدرة على إدارة حياتها والمشاركة في مجتمعها.

    كما ارتبط اسمها بالتعليم الأهلي من خلال مدارس المليك التي أسسها والدها الشيخ أبو بكر المليك عام 1948. وبعد وفاة والدها عام 1969، تولت إدارة المدارس، واستمرت في العمل في مجال التعليم وإدارته. وكانت مدارس المليك نموذجاً للتعليم الأهلي الذي أسهم في توسيع فرص الدراسة أمام أبناء وبنات الأقاليم في وقت كانت فيه المدارس الحكومية محدودة الانتشار.

    وفي حوار صحفي أجري معها عام 2015، استرجعت نفيسة المليك جانباً من تجربة أسرتها في التعليم الأهلي، وتحدثت عن مدارس المليك وعن الدور الذي قامت به الأسرة في تعليم الفتيات واستقبال طالبات من مناطق مختلفة من السودان. كما تحدثت عن الظروف الاجتماعية التي كانت تجعل الفتيات يتزوجن في سن مبكرة، الأمر الذي دفع المعلمات في ذلك الوقت إلى الاهتمام بتعليمهن مهارات الحياة والتدبير المنزلي إلى جانب التعليم المدرسي.

    وكانت نفيسة المليك من الرائدات في طرح فكرة التنظيمات التعاونية للنساء وجمعيات ربات البيوت. وقد طرحت الفكرة عام 1961، ثم جرى تنفيذها بعد ثورة أكتوبر 1964، حيث تأسست عام 1966 جمعية مسجلة وأنشئ مشغل تعاوني للأشغال اليدوية، في محاولة لمنح النساء مساحة للعمل والإنتاج وتحسين أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.

    ولم يكن نشاطها محصوراً في التعليم والعمل النسائي، بل امتد إلى القضايا الوطنية والسياسية. وكانت صاحبة اقتراح إرسال مذكرة إلى المسؤولين تطالب بإلغاء حالة الطوارئ والمادة 105 من قانون العقوبات السوداني. كما شاركت في عدد من الهيئات والمؤسسات العامة، وعُينت عضواً في لجنة الميثاق الوطني بعد عام 1969، كما شغلت عضوية مجلس إدارة مؤسسة مايو التجارية.

    وفي مجال العمل النقابي، ارتبط اسمها أيضاً بعريضة رفعتها نقابة مدرسات المدارس الحكومية في سبتمبر 1952، تضمنت 23 مطلباً، من بينها مطالب تتعلق بالمساواة في الأجور وساعات العمل، وتحسين ظروف العمل في الريف، ومجانية التعليم وتوسيع فرص تعليم الإناث. وتكشف هذه المطالب عن طبيعة الوعي المبكر الذي حملته الحركة النسائية والنقابية السودانية، وعن إدراكها أن قضية المرأة جزء من قضية العدالة الاجتماعية والتعليم العام.

    وكانت نفيسة المليك تؤمن بأن تحرير المرأة يبدأ من التعليم، لكنها لم تتوقف عند التعليم وحده؛ فقد سعت إلى أن تصبح المرأة حاضرة في النقابة والاتحاد والمجتمع والإعلام والعمل العام، وأن تنتقل من موقع المتلقية إلى موقع المشاركة وصاحبة القرار.

    واصلت نفيسة المليك مسيرتها العلمية حتى حصلت على درجة الماجستير من جامعة مانشستر في إنجلترا عام 1998، وهو إنجاز يعكس استمرار اهتمامها بالتعلم حتى مراحل متقدمة من العمر. وفي عام 2001 منحتها جامعة الأحفاد للبنات الدكتوراه الفخرية تقديراً لإسهاماتها في التعليم والعمل النسائي والعام.

    ولم تكن نفيسة المليك مجرد شخصية شاركت في الأحداث، بل اهتمت أيضاً بتوثيق الذاكرة النسائية السودانية. ومن الأعمال المنسوبة إليها «ملامح عن الحركة النسائية في السودان» و(الحركة النسائية عبر نصف قرن) و«شموع أضاءت ثم انطفأت»** و«أحزان الخريف»

    وتكشف هذه الأعمال عن حرصها على حفظ تجارب النساء وتاريخ الحركة النسائية للأجيال القادمة.

    وفي حياتها الخاصة كانت زوجة وأماً لثلاثة أبناء وثلاث بنات. وقد تحدثت في حوار صحفي عن تجربتها الأسرية، وعن الجمع بين تربية الأبناء والعمل والتعليم والنشاط العام. وكان من أبنائها الرائد الطيار أكرم الفاتح يوسف، الذي توفي ضمن الضباط الذين أعدموا عام 1990.
    وقد عاشت نفيسة المليك أكثر من تسعة عقود، شهدت خلالها تحولات السودان الكبرى؛ من سنوات الاستعمار، إلى الاستقلال، ثم تعاقب الحكومات والتحولات السياسية والاجتماعية التي مر بها البلد. وخلال هذه العقود ظلت مرتبطة بالتعليم والعمل الاجتماعي والنسائي، وحملت معها ذاكرة جيل من السودانيين والسودانيات الذين وضعوا اللبنات الأولى لمؤسسات التعليم الأهلي والحركة النسائية والنقابات.

    وفي 19 أغسطس 2026 جاء خبر رحيلها في دولة الإمارات العربية المتحدة، عن عمر ناهز 95 عاماً. وبرحيلها فقد السودان واحدة من رائدات التعليم والحركة النسائية، وامرأة قضت الجزء الأكبر من حياتها في خدمة المعرفة والمجتمع والدفاع عن حق المرأة في التعليم والمشاركة.

    إن إرث نفيسة المليك لا يتمثل في منصب واحد أو مؤسسة واحدة، وإنما في مسيرة طويلة جمعت بين التدريس ومحو الأمية، وتأسيس العمل النقابي للمعلمات، والمشاركة في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني، ودعم الإعلام النسائي، والعمل التعاوني، وإدارة التعليم الأهلي، والمشاركة في الحياة العامة، والكتابة والتوثيق.
    بدأت رحلتها من رفاعة، وهي فتاة في الرابعة عشرة تقف أمام طالبات لتعليمهن، ثم مضت في طريق طويل جعل منها واحدة من أبرز الوجوه النسائية في تاريخ السودان الحديث. وظلت تؤمن بأن بناء المجتمع يبدأ من المدرسة، وأن تعليم المرأة هو أحد المفاتيح الأساسية لبناء أسرة ومجتمع أكثر وعياً وقدرة على مواجهة تحدياته.

    رحلت نفيسة المليك، لكن أثرها بقي في أجيال من الطالبات والمعلمات، وفي تاريخ الحركة النسائية السودانية، وفي المؤسسات التي ساهمت في تأسيسها، وفي الأفكار التي دافعت عنها طوال حياتها.

    رحم الله الأستاذة نفيسة أبو بكر المليك، وجعل ما قدمته من علم وعمل وخدمة للمجتمع في ميزان حسناتها، وأحسن عزاء أسرتها ومحبيها ونساء السودان ومعلميه.
    إنا لله وإنا إليه راجعون.