م.اسماعيل بابكر محمد احمد
الخبير الدولي للأمن السيبراني والتحول الرقمي
*قضية إهمال الخبرات الوطنية في السودان* تُعد من العوائق الجوهرية التي عطلت مسيرة التنمية والتحديث المؤسسي لعقود.
هذا الملف لا يقتصر فقط على الجانب العاطفي أو الوطني، بل يمتد لأبعاد اقتصادية وتقنية واستراتيجية تؤثر بشكل مباشر على استقرار الدولة وقدرتها على المنافسة عالمياً.
وأبرز ملامح هذه الظاهرة وتداعياتها تتمثل في:
1.غياب استراتيجية “توطين المعرفة”
تعتمد الكثير من المؤسسات السودانية على الحلول الجاهزة أو الاستشارات الأجنبية المكلفة، في حين تتوفر كوادر وطنية قادرة على تصميم وتنفيذ أنظمة محلية تتناسب مع البيئة السودانية.
هذا الإهمال يؤدي إلى:
(أ)هدر الموارد المالية: صرف مبالغ ضخمة بالعملة الصعبة على خبراء أجانب أو برمجيات مستوردة يمكن إنتاجها محلياً.
(ب)إنعدام الاستدامة: عند رحيل الخبير الأجنبي، غالباً ما تنهار المنظومة لعدم وجود كوادر وطنية “مُمكّنة” تقنياً لإدارة المشروع وتطويره.
2.هجرة العقول الوطنية
عندما يجد الخبير السوداني سواء كان مهندساً، طبيباً، أو تقنياً أن أبواب صنع القرار مغلقة أمامه، أو أن مقترحاته للتطوير تُقابل بالبيروقراطية، فإنه يضطر للهجرة.
السودان اليوم يمتلك جيشاً من الخبراء في الخارج يقودون مشاريع عالمية في التحول الرقمي، الأمن السيبراني والطب، بينما تعاني المؤسسات الداخلية من فجوات حادة في هذه التخصصات.
3.البيروقراطية وضعف الثقة بالمنتج المحلي
هناك “عقدة خواجة” غير معلنة في بعض المستويات الإدارية حيث يُنظر للمشاريع التي يطرحها الخبراء الوطنيون بعين الريبة أو الاستخفاف.
مثال: قد يتم تجاهل مشروع وطني لتأمين البيانات أو رقمنة العمل الإداري لسنوات، ثم يتم التعاقد مع شركة خارجية لتنفيذ نفس الفكرة بتكلفة مضاعفة.
4.التداعيات على الأمن القومي والتنمية
إهمال الخبرات الوطنية في المجالات الحساسة (مثل تكنولوجيا المعلومات، الزراعة الذكية، وإدارة الموارد السيادية) يجعل الدولة مكشوفة تقنياً.
الأمن السيبراني:
الاعتماد الكلي على أنظمة خارجية دون إشراف خبراء وطنيين يجعل البنية التحتية للدولة عرضة للاختراق أو التوقف المفاجئ.
الزراعة والصناعة: السودان يمتلك عقولاً فذة في الهندسة الزراعية، وإهمال رؤيتهم لتطوير المشاريع الكبرى (مثل مشروع الجزيرة) يؤدي إلى تراجع الإنتاجية رغم توفر الموارد الطبيعية.
5.الحلول المقترحة لتجاوز هذه الأزمة
للخروج من هذا النفق تحتاج الدولة إلى تبني سياسات واضحة تضع “الخبير الوطني” في مركز الصدارة:
(أ)إنشاء قاعدة بيانات وطنية للخبراء:
تشمل الكوادر في الداخل والمهاجرين لتسهيل استدعائهم للاستشارات الاستراتيجية.
(ب)تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص:
دعم الشركات الوطنية الناشئة التي يقودها مهندسون وخبراء محليون لإعطائهم الأولوية في العطاءات الحكومية.
(ج)الاستثمار في مراكز الأبحاث:
دعم المختبرات الوطنية (مثل مختبرات الأدلة الجنائية الرقمية أو مراكز أبحاث الطاقة) وربط مخرجاتها بالقرار السياسي.
إن الاستثمار في العقل السوداني هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن السيادة الوطنية الحقيقية، فالتقنية يمكن شراؤها، لكن “الولاء والخبرة الميدانية” هي التي تبني الأوطان.











إرسال تعليق