بقلم/ د.سعاد فقيري
رسالة إلى وزير التربية والتعليم بعد خطوة وزير التعليم العالي
هناك قرارات لا تُقاس بردود الفعل الآنية، وإنما بما تتركه من أثر في بناء الدولة.
وهناك رجال يختارون الطريق الأصعب لأنهم يدركون أن الإصلاح الحقيقي لا يولد من المجاملة، بل من الجرأة على اتخاذ القرار.
لقد مثّل ما قام به البروفيسور أحمد مضوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، في نظر كثيرين، محطة مهمة في إعادة الانضباط المؤسسي لقطاع التعليم العالي، من خلال الدفع نحو عودة الجامعات السودانية إلى الداخل كلما سمحت الظروف، وإعادة التأكيد على أن الدولة هي المرجعية الأولى لمؤسساتها التعليمية.
فالجامعة ليست مجرد مبنى أو امتحان يمنح شهادة، وإنما عنوان لسيادة الدولة، ومركز لصناعة المعرفة، وحاضنة للعقول التي تقود التنمية.
وعندما تصبح المؤسسات الأكاديمية بعيدة عن بيئتها الوطنية لفترات طويلة، فإن ذلك يفرض تحديات تتعلق بالإدارة والرقابة والارتباط بالمجتمع.
لقد اختار الوزير أن يتحمل مسؤولية قرار صعب، وأن يواجه الانتقادات بثبات، انطلاقًا من قناعة بأن إصلاح التعليم العالي يحتاج إلى قرارات مؤسسية، لا إلى حلول مؤقتة.
وقد يرى البعض أن هذه القرارات تحتاج إلى وقت لتؤتي ثمارها، لكن مجرد إعادة التأكيد على مرجعية الدولة في إدارة التعليم العالي يمثل، في حد ذاته، رسالة مهمة.
واليوم، وبعد هذه الخطوة، يبرز سؤال مشروع:
ماذا عن التعليم العام؟
إن آلاف الأسر السودانية في دول اللجوء والاغتراب تبحث عن تعليم آمن ومنظم لأبنائها، إلا أن سنوات الحرب أفرزت واقعًا شهد انتشار مدارس سودانية في الخارج بدرجات متفاوتة من التنظيم والإشراف.
وقد أسهم ذلك في توفير فرص تعليمية لكثير من الطلاب، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديًا يتعلق بتوحيد المعايير وضمان الجودة.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تستدعي من وزارة التربية والتعليم إطلاق مشروع وطني شامل لتنظيم التعليم السوداني خارج البلاد، بما يحقق مصلحة الطلاب ويحافظ على مكانة الشهادة السودانية.
إن المطلوب اليوم ليس التضييق على المدارس التي قامت لخدمة أبناء السودان، وإنما وضع إطار واضح وعادل يشمل:
حصر جميع المدارس السودانية العاملة خارج البلاد.
مراجعة أوضاعها القانونية والأكاديمية.
اعتماد معايير موحدة للترخيص والتجديد.
إخضاعها لتقييم دوري من لجان فنية مختصة.
التأكد من التزامها بالمناهج واللوائح الرسمية.
إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية تربطها مباشرة بالوزارة.
حماية حقوق الطلاب والمعلمين، وضمان جودة العملية التعليمية.
إن هيبة الشهادة السودانية لا تُصان بالشعارات، وإنما بقوة الرقابة، وعدالة اللوائح، ووضوح المسؤوليات.
ونحن لا نطلب من وزير التربية والتعليم سوى أن يقود إصلاحًا مؤسسيًا يواكب ما يشهده قطاع التعليم العالي، وأن يجعل من تنظيم التعليم العام داخل السودان وخارجه أولوية وطنية، حتى يطمئن كل ولي أمر إلى أن ابنه يتلقى تعليمًا معترفًا به، يخضع لمعايير واحدة أينما كان.
لقد علمتنا التجارب أن الأمم التي تحمي تعليمها تحمي مستقبلها، وأن الدول التي تضبط مؤسساتها التعليمية تضمن استقرارها لعقود قادمة.
إن السودان، وهو يستعد لمرحلة إعادة البناء، يحتاج إلى مشروع وطني يعيد للتعليم مكانته باعتباره قضية أمن قومي وتنمية، لا مجرد خدمة عامة.
فالمدرسة هي أول مؤسسات الدولة في حياة المواطن، والجامعة هي مصنع القيادات والكفاءات، وإذا صلح التعليم صلحت بقية المؤسسات.
إن التاريخ لا يخلّد من يتردد، وإنما يخلّد من يتخذ القرار حين تكون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
نسأل الله أن يحفظ السودان، وأن يوفق كل من يعمل بإخلاص لإعادة بناء مؤسساته، وأن يجعل التعليم بوابة النهضة، وجسر العبور إلى دولة قوية، مستقرة، وعادلة.











إرسال تعليق