بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام
حين يُذكر اسم *محمية الدندر*، يتبادر إلى الأذهان التنوع الحيوي والحياة البرية، فهي واحدة من أهم المحميات الطبيعية في إفريقيا، وموطنٌ لعدد كبير من الأنواع النباتية والحيوانية التي تشكل جزءاً من التراث البيئي للسودان. *غير أن وجهاً آخر لا يقل أهمية يظل بعيداً عن دائرة الضوء، إذ تمثل المحمية أيضاً واحدة من أكبر مناطق إنتاج الصمغ العربي في السودان، ولا سيما صمغ الطلح*، الذي يدخل في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل، ويشهد طلباً متزايداً في الأسواق العالمية.
وقد جاءت *ورشة اقتصاديات الصمغ العربي* وأثرها على محمية الدندر لتسلط الضوء على هذا المورد المهم، ولتؤكد أن المحمية ليست موطناً للحياة البرية فحسب، وإنما تمثل ركيزة اقتصادية يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الوطني، إذا أُحسن استثمارها وفق أسس علمية تحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
وكشفت الأوراق العلمية التي قدمت في الورشة أن محمية الدندر تنتج نحو *65% من صمغ الطلح* في السودان، بينما يُعد السودان المنتج الأكبر عالمياً لهذا النوع من الصمغ، وهي ميزة تنافسية نادرة كان من المفترض أن تنعكس بصورة مباشرة على حجم الصادرات والدخل القومي، لكنها ما تزال دون مستوى الطموح.
والسبب في ذلك لا يعود إلى ضعف الإنتاج، وإنما إلى ضعف إدارة سلسلة القيمة. فما يزال معظم الصمغ العربي يُصدر خاماً، بينما تحقق دول أخرى أرباحاً كبيرة من خلال تنقيته وتصنيعه وإنتاج مشتقات تدخل في عشرات الصناعات، ثم يعاد تصديرها بأسعار تفوق قيمة المادة الخام عدة مرات. وهكذا يفقد السودان جزءاً كبيراً من العائد الذي يستحقه.
ولهذا، ورغم المكانة العالمية التي يتمتع بها السودان في إنتاج الصمغ العربي، فإن *قيمة الصادرات في أفضل السنوات التي سبقت الحرب تراوحت بين 100 و150 مليون دولار* أمريكي سنوياً، وهي حصيلة متواضعة إذا ما قورنت بالإمكانات الحقيقية لهذا القطاع.
إن الطريق إلى مضاعفة العائد لا يبدأ بزيادة الإنتاج وحدها، وإنما بإضافة القيمة داخل السودان. فإقامة مصانع حديثة لتنقية الصمغ، وإنتاج مشتقاته، وتعبئته وفق المواصفات العالمية، وربط ذلك بخطط تسويق فعالة، *يمكن أن يرفع عائدات القطاع تدريجياً إلى أكثر من مليار دولار سنوياً على المدى المتوسط*. وهذا ليس رقماً افتراضياً، بل هدف اقتصادي قابل للتحقيق إذا توافرت الإرادة السياسية، وتحسنت بيئة الاستثمار، ووجد القطاع الخاص التشجيع اللازم.
غير أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب معالجة عدد من التحديات، في مقدمتها
• تعدد الرسوم والجبايات التي تثقل كاهل المنتجين،
• وضعف البنية التحتية،
• وغياب التمويل الميسر،
• وقلة الصناعات التحويلية،
• فضلاً عن الممارسات التي تهدد الغابات، مثل القطع الجائر للأشجار، والتوسع الزراعي غير المنظم، والرعي داخل مناطق الإنتاج. كما أن تحسين الإنتاجية يستوجب نشر الأساليب العلمية في طق أشجار الهشاب والطلح، والتوسع في زراعة المساحات الخالية، حتى تستمر هذه الثروة في العطاء لأجيال قادمة.
ولا ينبغي النظر إلى الصمغ العربي بوصفه سلعة للتصدير فقط، بل باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد المستدام. فأشجار الهشاب والطلح تؤدي دوراً مهماً في
• مكافحة التصحر،
• وتحسين خصوبة التربة،
• والحد من آثار التغير المناخي من خلال امتصاص الكربون،
• فضلاً عن المحافظة على التنوع الحيوي. وهي في الوقت نفسه مصدر رزق لآلاف الأسر في ولايات الإنتاج، الأمر الذي يجعل المحافظة عليها مسؤولية اقتصادية وبيئية في آنٍ واحد.
ومن هنا، فإن نجاح أي إستراتيجية لتطوير قطاع الصمغ العربي يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية. فالمجتمع المحلي هو الحارس الأول لهذه الغابات، وهو الأكثر حرصاً على استدامتها متى ما وجد التدريب، والتمويل، والخدمات الأساسية، والعائد العادل من هذا المورد. كما أن تشجيع المستثمرين الوطنيين على إنشاء مصانع بالقرب من مناطق الإنتاج سيقلل التكلفة، ويوفر فرص عمل، ويعزز التنمية الريفية.
لقد أحسنت إدارة محمية الدندر عندما نظمت هذه الورشة، وأحسنت عندما أكدت أن الاستثمار الحقيقي لا يكون على حساب البيئة، وإنما في إطار يحافظ عليها ويضمن استدامتها. ويبقى التحدي الأكبر هو أن تتحول التوصيات التي خرجت بها الورشة إلى
• برامج تنفيذية،
• وسياسات واضحة،
• وإصلاحات تشريعية،
• وشراكات فاعلة، حتى تصبح محمية الدندر نموذجاً وطنياً يجمع بين حماية البيئة وتعظيم العائد الاقتصادي.
إن السودان لا يحتاج إلى البحث عن ثروات جديدة بقدر ما يحتاج إلى حسن إدارة ثرواته التي حباه الله بها. ويأتي الصمغ العربي في مقدمة هذه الموارد، فهو ثروة متجددة، ومصدر مهم للنقد الأجنبي، ورافعة للتنمية الريفية، وأداة فعالة لمكافحة التصحر. وإذا أحسن السودان استثمار هذه النعمة، فإن محمية الدندر لن تبقى مجرد محمية للحياة البرية، بل ستصبح مركزاً للإنتاج والصناعة، ومنارة للاقتصاد المستدام، ونموذجاً يحتذى به في حسن إدارة الموارد الطبيعية.
إن قيمة الصمغ العربي لا تكمن في الأشجار وحدها، بل في الإدارة الرشيدة التي تحول هذه الثروة الطبيعية إلى قيمة مضافة، وفرص عمل، وصادرات، وتنمية مستدامة، تعود بالنفع على الإنسان وتحافظ على البيئة في آن واحد.
*﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾*
صدق الله العظيم











إرسال تعليق