من مانشستر إلى الشمول المالي: رحلة بدأت من دراسة التكيف الهيكلي وانتهت بتمكين الفقراء

  • بتاريخ : 26 يوليو، 2026 - 9:53 م
  • الزيارات : 19
  • بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    لم تكن سنوات دراستي للدكتوراه في قسم الاقتصاد بجامعة مانشستر مجرد مرحلة للحصول على درجة علمية، بل كانت مرحلة تأسيسية تشكلت خلالها رؤيتي الاقتصادية تجاه قضايا التنمية والفقر ودور المؤسسات المالية في بناء مستقبل أفضل للمجتمعات. اخترت لرسالتي موضوعاً جدليا عالميا آنذاك: دراسة عمليات التكيف الهيكلي التي نفذها البنك الدولي في دول أفريقيا جنوب الصحراء بالتركيز علي السودان، والتي ركزت على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، تحرير الأسواق، وإعادة هيكلة دور الدولة. غير أن السؤال الأهم الذي شغلني كان ولا يزال: هل تؤدي هذه السياسات بالفعل إلى تحقيق تنمية مستدامة، وما آثارها على الفقراء والمجتمعات الهشة؟.

    في جامعة مانشستر وجدت بيئة أكاديمية ثرية بالنقاش حول هذه القضايا، فقد كانت الجامعة تمتلك تقليدا عريقاً في اقتصاديات التنمية. وكان إشرافي الأكاديمي تحت قيادة البروفيسورة Diane Elson، التي كان لها إسهام بارز في تحليل سياسات التنمية من منظور يتجاوز المؤشرات الاقتصادية الكلية إلى دراسة آثار السياسات على المجتمع، وعلى توزيع الموارد، وعلى الفئات الأقل قدرة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية. اما الممتحن الخارجي لأطروحتي فكان البروفيسور Colin Kirkpatrick، أحد الباحثين المعروفين في مجال اقتصاديات التنمية وتقييم السياسات الاقتصادية في الدول النامية. وقد ركزت مناقشته على الجوانب المتعلقة بفعالية سياسات الإصلاح الاقتصادي، ودور المؤسسات الدولية، ومدى قدرة برامج التكيف الهيكلي على تحقيق أهدافها التنموية.

    لقد جمعت لجنة الدكتوراه بين منظورين متكاملين: منظور يهتم بالآثار الاجتماعية والإنسانية للسياسات الاقتصادية، كما مثلته Diane Elson. ومنظور يهتم بتقييم السياسات التنموية ونتائجها الاقتصادية، كما مثله Colin Kirkpatrick. وقد تركت هذه التجربة أثرا عميقاً في مسيرتي الفكرية. فقد خرجت بقناعة أن نجاح التنمية لا يقاس فقط بمعدلات النمو أو استقرار المؤشرات الاقتصادية، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس، وتوسيع فرصهم، وتمكينهم من المشاركة في النشاط الاقتصادي. ولعل هذا الفكر هو الذي قادني لاحقاً إلى الاهتمام بالتمويل الأصغر والشمول المالي. فقد انتقلت من دراسة أثر السياسات الاقتصادية الكبرى على الفقراء إلى البحث عن أدوات عملية تساعدهم على الوصول إلى التمويل، وإنشاء المشاريع، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية.

    من مانشستر تعلمت أن الاقتصاد ليس مجرد نماذج ومعادلات، بل هو علم لخدمة الإنسان. وكانت تلك السنوات بداية رحلة امتدت من تحليل سياسات التنمية الدولية إلى بناء حلول مالية عملية لتعزيز الشمول والتمكين الاقتصادي. لقد كانت مانشستر أكثر من محطة أكاديمية، كانت مدرسة فكرية شكلت جزءاً أساسيا من رؤيتي للتنمية ودوري في خدمة المجتمعات.