بقلم /د. معتصم شرفي
هذا المقال يمثل تشريحاً سوسيولوجياً ونفسياً دقيقاً لما يمكن تسميته بـ “أزمة التموضع السوداني” في الخارطة الرأسمالية الحديثة
من “الاستقامة المهنية” إلى “الهيمنة المؤسسية”: قراءة في عجز التسويق السوداني
يضعنا هذا المقال أمام مرآة كاشفة، فالسوداني الذي غزا جامعات “الآيفي ليج” ومستشفيات لندن وبرلين، لا يزال يمارس “الزهد القيادي” في وقت تحكم فيه العالم عقليات “الاقتناص” لا “الانتظار”. إن غياب السودانيين عن منصات الـ (CEO) ليس عجزاً في الذكاء (IQ)، بل هو تأخر في تطوير “الذكاء السياسي المؤسسي”.
1. سيكولوجية “الموظف السوبر” مقابل “القائد الاستراتيجي”
لقد نجحت الثقافة السودانية في صناعة “التكنوقراط” بامتياز، لكنها فشلت في صناعة “المناور”. المقال أصاب كبد الحقيقة حين تحدث عن فخ المهن المهيبة؛ فالطبيب والمهندس السوداني يبحث عن “الاحترام الاجتماعي” أكثر من بحثه عن “النفوذ المالي”. في عالم الشركات الكبرى، النزاهة وحدها لا تكفي؛ بل تحتاج إلى “كاريزما الظهور” التي يراها السوداني نوعاً من “الادعاء” أو “عدم الحياء”، وهذا هو السقف الزجاجي الحقيقي.
2. العزلة التاريخية وفقدان “الشيفرة” العالمية
العقود الثلاثة من العزلة لم تحرم السودان من التكنولوجيا فقط، بل حرمت أجياله من تعلم “لغة الممرات” في الشركات العالمية. الهندي الذي يقود (Google) اليوم لم يصل بذكائه البرمجي وحده، بل بجيش من “اللوبيات” العرقية التي تمارس التضامن النفعي. السوداني، للأسف، يحول تجمعاته في المهجر إلى “راكوبة” اجتماعية للونسة والشجن، بينما يحولها غيره إلى “غرفة عمليات” لتبادل المصالح واقتناص المقاعد.
3. التواضع: الفضيلة التي أصبحت عائقاً
أقسى ما في التحليل هو تسليط الضوء على “السترة والتواضع”. في سوق العمل العالمي، “السكوت” لا يعني الرضا أو العمل بصمت، بل يعني “العدم”. السوداني ينتظر من المدير أن يكتشف عبقريته تلقائياً، بينما القاعدة تقول: “إذا لم تروج لنفسك، فأنت غير موجود”. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف “العزة” لتصبح قدرة على المنافسة والقيادة، لا انسحاباً عند أول صراع على السلطة.
4. ملامح الفجر الجديد
ما يبعث على الأمل هو ما ذكره الكاتب عن “الجيل الثاني”. هذا الجيل الذي لم ينكسر تحت وطأة الإحباط السياسي الداخلي، ولم يتشرب ثقافة “الحذر المبالغ فيه”. هؤلاء هم “المُهجّنون” ثقافياً؛ يمتلكون قيم النزاهة السودانية لكنهم يرتدون دروع التنافسية الغربية.
خلاصة القول:
المقال ليس مجرد رصد لواقع، بل هو “مانيفستو” يدعو لإعادة صياغة الشخصية السودانية المهاجرة. إننا لا نحتاج لذكاء أكثر، بل نحتاج إلى “جرأة أكبر”، وإلى تحويل “الشهادات الأكاديمية” المعلقة على الجدران إلى “أدوات سيطرة” داخل غرف مجالس الإدارات.
آن الأوان للعقل السوداني أن يتوقف عن كونه “العمود الفقري” للمؤسسات، ليكون هو “الرأس” الذي يوجهها.










إرسال تعليق