كيف نبني مجتمعاً معافى بعد إنهيار الدولة؟

  • بتاريخ : 8 مايو، 2026 - 4:05 م
  • الزيارات : 45
  • بقلم / المهندس الإمام عبد اللطيف الإمام
    “وزير التخطيط العمراني الاسبق”

    أخي المستشار د. عبدالله أحمد عبدالله،

    *لقد وضعتَ المشرط على الجرح. نعم، الحرب لم تكشف مرضنا، بل أزاحت الغطاء عن جسدٍ كان مريضاً ونتوهم أنه معافى. وما كتبتَه يؤكده ما حذّر منه الأستاذ أحمد يوسف التاي قبل الحرب بأربعة أشهر ونصف في مقاله “دولة داخل دولة… خذوا العبرة من التاريخ”. فالكارثة مزدوجة*:

    أولاً: *تشخيص الداء*- *لماذا سقطنا بهذه السرعة؟ *أتفق مع المداخلات القيمة التي أشارت إلى أن الموضوع شائك ومعقد ولا يُعالج بجرة قلم. والسبب كما تفضل الأستاذ عبدالرحيم البدري: أن الانهيار كان بنيوياً*

    *صحيح أن هناك تراكمات عنصرية وجهوية ومظالم تاريخية وأطماع خارجية، لكن أخطر ما كشفته هذه الحرب هو ما ذكره الأستاذ عبدالرحيم البدري بدقة: “*هشاشة التركيبة الإجتماعية والبنيوية*”. *كنا “لحم رأس” ما يفرق بيننا أكثر مما يجمع، والمظهر خدّاع والروح جاهلية. فانهار المجتمع مع أول إختبار*

    *لكن هنا نقطة مهمة: الكارثة لم تأتِ دون نذر. *كانت هناك نذر كثيرة تجاهلناها*:
    *نذر التاي عن “دولة داخل الدولة، *ونذر الحروب في دارفور والنيل الأزرق، ونذر خطاب الكراهية “أولاد البحر” و”الغرابة” الذي ساد الميديا. كنا نياماً: “أسمعتَ إن ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي*”.

    *الخلاصة: انهارت الدولة لأنها صنعت قوة موازية لجيشها وأرضعت الأفعى حتى لدغتها. وأنهار المجتمع لأن التعايش كان تعايش مصالح هش، فلما سقطت هيبة الدولة، سقطت معها حرمة الجار والدم والمال. فنهب الجار جاره*

    *ثانياً: وصف الدواء* – *كيف نبني مجتمعاً معافى؟*
    *بما أن الداء مزدوج، فالدواء يجب أن يكون متلازماً: إصلاح الدولة شرط لإصلاح المجتمع.*

    *جيش واحد، سلاح واحد*: *أم القضايا**نبدأ بدرس التاي ودرس السلاجقة: لا دولة داخل الدولة*. *لا مليشيا، لا كتائب، لا قوة موازية. أي سلاح خارج يد الجيش الوطني المحترف هو خنجر في خاصرة الوطن والمجتمع معاً. هذه غير قابلة للتفاوض.*

    *العدالة الانتقالية : *لا تعافي بلا جبر ضرر …… أتفق معك تماماً يا دكتور. لا يمكن أن نطلب من نُهب بيته وسُرق عمره أن يقول “*عفا الله عما سلف*”. *من قتل، اغتصب، نهب، سواء كان جنجويدي أو جار، يجب ألا يفلت من العقاب. المحاسبة والتعويض وكشف الحقيقة هي الضماد الأول. الظلم المكتوم وقود الحرب القادمة.*

    *هدم جداري الكراهية: السياسي والاجتماعي*
    *النهب لم يكن فقراً فقط، بل تبرير “*هؤلاء يستاهلوا *”. *هذا نتاج خطاب كراهية سياسي واجتماعي استمر لسنين. *العلاج*: *مناهج تعليم تمجد الوطن لا القبيلة، وإعلام يجرّم “نحن” و”هم”، وقدوة من الإدارة الأهلية والمثقفين تتبرأ علناً من العنصرية.*

    *التنمية المتوازنة: تجفيف مستنقع الحقد* *التمايز الفاحش بين المركز والهامش صنع القنبلة الموقوتة. الحل ليس توزيع المال، بل توزيع فرص إنتاجه. مستشفى في الجنينة كالخرطوم، وجامعة في الضعين كمدني. المواطن الذي يشعر أن الدولة له، سيدافع عنها بقوة ولن ينهبها.*

    *ميثاق شرف إجتماعي جديد* *نحتاج عقد إجتماعي توقّع عليه كل المكونات: حرمة الدم والعرض والمال خط أحمر، ونبذ القبلية السياسية، والإعتذار العلني عن المظالم التاريخية. الاعتذار لا يُضعف، بل يُطهّر.*

    *يا دكتور، أنت رميتَ بحجر في بحر لجي. ونحن نقول: هذا البحر يحتاج سباحين مهرة لا يخافون الغوص. والمجتمع المعافى لا يولد بعد توقيع إتفاق وقف إطلاق النار، بل يولد بعد توقيع اتفاقين: *اتفاق وقف إطلاق الرصاص في الميدان، وإتفاق وقف إطلاق الكراهية في القلوب.*

    *مهمة الحكومة هي العدالة والتنمية وحصر السلاح*. *ومهمتنا نحن هي قتل “الجنجويدي” الذي يسكن داخل كل واحد فينا: ذلك الصوت الذي يبرر النهب لأن الضحية من القبيلة الفلانية.*

    “*ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله” ختم بها التاي مقاله. وهذا هو أساس صياغة المجتمع الجديد: “*لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه*”. *بلا هذا، كل بناء هو بناء على رمل*.

    *جزاك الله خيراً على فتح هذا الجرح للنقاش. والشكر موصول للأستاذ عبدالرحيم البدري ولكل المتداخلين الذين شخصوا الداء بصدق، فلا حل بلا تشخيص صحيح.*