*كيف تبتلع السياسةُ* *المجتمعَ في السودان؟(3-11)

  • بتاريخ : 12 مايو، 2026 - 10:10 م
  • الزيارات : 25
  • بقلم / حيدر معتصم مدني
    مدير مركزالخرطوم للحوار

     

    من أخطر الظواهر التي صاحبت الأزمة السودانية عبر تاريخها الحديث أن السياسة لم تكتفِ بإدارة الدولة أو التنافس على السلطة،بل تمددت تدريجيًا حتى أصبحت تحاول ابتلاع المجتمع نفسه.وهنا تكمن واحدة من أعمق أزمات السودان البنيوية.لأن الأصل في أي تجربة مستقرة أن تكون:

    الدولة إطارًا منظمًا،

    والسياسة وظيفةً لإدارة التنافس،

    والمجتمع أصلًا سابقًا على الجميع.
    لكن ما حدث في السودان هو العكس تقريبًا.
    إذ تحولت السياسة من وظيفة داخل المجتمع… إلى سلطة فوق المجتمع.

    *حين تصبح السياسة* *مرجعية لكل شيء*
    في التجارب الطبيعية، يدخل الإنسان السياسة باعتبارها أحد مجالات الحياة العامة.أما في البيئات المأزومة، فتتحول السياسة إلى عدسة وحيدة يُنظر عبرها إلى كل شيء:

    القبيلة

    النقابة

    الدين

    الثقافة

    التعليم

    الجيش

    الإعلام

    وحتى العلاقات الاجتماعية
    فتصبح القيمة الحقيقية للأشياء ليست في وظيفتها الطبيعية،بل في موقعها داخل الصراع السياسي.
    وهنا تبدأ عملية “ابتلاع المجتمع”.
    *كيف يحدث الابتلاع؟*
    يحدث ذلك حين تحاول القوى السياسية السيطرة على كل المساحات التي يفترض أن تبقى مستقلة نسبيًا.فتبدأ الأحزاب والتيارات في:

    إختراق النقابات

    واحتواء المنظمات

    والسيطرة على الاتحادات

    وتسييس الجامعات

    واستقطاب الإدارات الأهلية

    وتوجيه الإعلام

    وتحويل المجتمع إلى مخزون تعبوي دائم

    وبالتالي يفقد المجتمع تدريجيًا استقلاله الطبيعي، ويصبح مجرد امتداد لمعركة السلطة.
    وهذا ما جعل كثيرًا من المؤسسات السودانية عبر التاريخ: تعيش وتموت وفق حالة الاستقطاب السياسي، لا وفق وظيفتها الحقيقية.
    *أخطر نتائج الأزمة: تآكل* *المجال الوطني المشترك*
    حين تبتلع السياسة المجتمع ..تختفي المساحات المشتركة وكل شيء يصبح مصنفًا:

    معنا أو ضدنا

    وطني أو خائن

    ثوري أو مضاد

    مدني أو عسكري

    تقدمي أو رجعي

    وبذلك يفقد المجتمع قدرته على إنتاج منطقة وسط وطنية جامعة.وهنا تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع دائم، لأن المجتمع الذي لا يملك مساحات مشتركة مستقلة… لا يستطيع بناء استقرار طويل المدى.
    السودان لم يعانِ فقط من ضعف السياسة…
    بل من ضعف المجتمع أمام السياسة
    وهذه نقطة شديدة الأهمية.
    فالأزمة السودانية ليست فقط أن الأحزاب أخطأت، بل أيضًا أن المجتمع نفسه لم ينجح في بناء مؤسساته المستقلة القادرة على مقاومة الاحتواء السياسي.
    ولهذا ظلت:

    النقابات تُختطف،

    والاتحادات تُسيّس،

    والمنظمات تُستقطب،

    والجامعات تتحول إلى ساحات حرب أيديولوجية.
    أي أن السياسة كانت دائمًا أقوى من المجتمع.وهذه علامة خطيرة على هشاشة البناء الوطني.
    *المجتمع حين يفقد* *استقلاله*
    .. تفقد الدولة توازنها
    لأن المجتمع ليس مجرد كتلة بشرية، بل شبكة معقدة من:

    العلاقات

    والمؤسسات

    والقيم

    والمصالح

    والتوازنات

    وحين تصبح كل هذه الشبكة خاضعة للاستقطاب السياسي، تفقد الدولة “المنطقة العازلة” التي تحميها من الانهيار.
    *فتتحول كل أزمة سياسية* *إلى:*

    أزمة اجتماعية،

    ثم أزمة أمنية،

    ثم أزمة وطنية شاملة.

    وهذا ما يفسر لماذا كانت الأزمات السودانية دائمًا سريعة التمدد وعميقة التأثير.
    *الفرق بين المجتمع الحي* *والمجتمع التابع*
    المجتمع الحي هو المجتمع القادر على:

    إنتاج مؤسساته،

    وحماية استقلاله،

    وتنظيم مصالحه،

    ومقاومة التوظيف السياسي الكامل.

    أما المجتمع التابع، فهو المجتمع الذي تنتظر مؤسساته دائمًا:

    إشارة السياسي،

    أو تمويل السلطة،

    أو حماية الحزب،

    أو شرعية الأيديولوجيا.

    وفي هذه الحالة لا يعود المجتمع شريكًا في بناء الدولة، بل يتحول إلى ساحة تُدار فوقها الصراعات.
    *لماذا يحتاج السودان إلى* *“تحرير المجتمع”؟*
    لأن أي إصلاح سياسي حقيقي سيظل هشًا ما لم يُسبقه أو يصاحبه إصلاح مجتمعي عميق.
    والسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى:

    تغيير حكومات،

    أو توقيع اتفاقات،

    أو إعادة توزيع سلطة.

    بل يحتاج قبل ذلك إلى: إعادة بناء العلاقة بين السياسة والمجتمع بحيث:

    تعود السياسة إلى حجمها الطبيعي كوظيفة،

    ويستعيد المجتمع استقلاله كمصدر للقوة الوطنية،

    وتتحول الدولة إلى إطار جامع لا غنيمة صراع.
    معركة السودان القادمة ليست فقط على السلطة…
    بل على من يقود من
    وهذا هو السؤال الجوهري.
    هل:
    *المجتمع يقود السياسة؟ أم:*
    *السياسة تبتلع المجتمع؟*
    لأن التجربة السودانية الطويلة تشير إلى أن السياسة حين تنفصل عن المجتمع الحقيقي… تتحول إلى ماكينة استقطاب واستهلاك وانهيار.أما حين يكون المجتمع قويًا ومستقلًا وواعيًا، فإن السياسة تُجبر على العودة إلى وظيفتها الأصلية: خدمة المصلحة العامة، لا احتكار الوطن باسمها.
    وربما هنا تبدأ الخطوة الأولى الحقيقية نحو بناء دولة سودانية مستقرة: ليس عبر تضخيم السياسة… بل عبر إعادة الاعتبار للمجتمع نفسه بوصفه الأصل الذي تُبنى عليه الدولة، لا المادة الخام التي تستهلكها الصراعات