قراءة نقدية في أغنية “ما بنختلف” للشاعر حسن الزبير وأداء خوجلي عثمان

  • بتاريخ : 8 مايو، 2026 - 11:01 ص
  • الزيارات : 40
  •  

    بقلم د.سعاد فقيري

    ليست أغنية ما بنختلف مجرد نص عاطفي يعبّر عن حالة حب عابرة، بل هي تجربة وجدانية وفكرية متكاملة.
    استطاع فيها الشاعر أن يحوّل الحب من إحساس عابر إلى حالة وعي، ومن انفعال إنساني إلى فلسفة شعورية عميقة.
    إنها أغنية تلامس القلب، لكنها في ذات الوقت تستفز الفكر، وتدعو المتلقي إلى التأمل في معنى العلاقة الإنسانية حين تتحول المشاعر إلى لغة، واللغة إلى مصير.
    منذ اللحظة الأولى، يضعنا النص أمام رؤية مختلفة للحب؛ فالعاشق هنا لا يتحدث عن الغرام بوصفه لهفة فقط، بل يقدّمه باعتباره مدرسة كاملة يتعلم فيها الإنسان كيف يعيد اكتشاف نفسه من خلال الآخر:
    درسني بس قانون هواك بحفظ حروفو حرف حرف
    في هذا السطر يبتكر الشاعر صورة نادرة في الغناء السوداني؛ إذ تتحول العاطفة إلى “قانون”، ويتحوّل الحبيب إلى معلم، بينما يقف العاشق في مقام التلميذ الذي يحفظ تفاصيل الحب كما تُحفظ المعرفة.
    وهنا تتجاوز الأغنية حدود البوح التقليدي، لتطرح فكرة أكثر عمقًا:
    أن الحب الحقيقي لا يقوم على الفوضى، بل على الفهم، والانصات، والقدرة على تهذيب الذات.
    ومن أكثر الجوانب إدهاشًا في النص ذلك التوظيف الذكي لعالم اللغة والنحو داخل البناء العاطفي.
    حين يقول الشاعر:
    أشيل الضمة… أبرز سكون حرف الوقف
    فهو لا يستخدم المصطلحات اللغوية للزينة البلاغية، بل يحوّلها إلى رموز نفسية وإنسانية؛ فالضمة تصبح رمزًا للكِبر والارتفاع، بينما يتحول السكون إلى صورة للهدوء والاستسلام والرضا.
    إنها كتابة تجعل اللغة نفسها كائنًا حيًا يشعر ويخضع ويتألم.
    ويزداد النص عمقًا عندما يستدعي رموز العشق العربي مثل “قيس” و“جميل”، لا بوصفها أسماء تاريخية، بل بوصفها ذاكرة جمعية تختزن الجنون والحنين والعذاب والعفة.
    فالشاعر هنا لا يروي قصة حب فردية، بل يربط تجربته بسلسلة طويلة من الحكايات الإنسانية التي جعلت الحب قدرًا يتكرر عبر الأزمنة.
    أما على المستوى النفسي، فإن الأغنية ترسم ملامح عاشق شديد الرهافة؛ عاشق لا يتباهى بقوته، بل يعترف بضعفه وخوفه وارتباكه.
    إنه إنسان يقترب من محبوبه بخجل، ويتراجع بخوف، ويعيش حالة من الانكسار الجميل الذي يمنح النص صدقه الحقيقي.
    وفي ذروة العمل تأتي الجملة الأكثر تأثيرًا:
    أنا عندي ليك سر من زمان داير أقولو ومنكسف
    هنا يبلغ النص قمته الدرامية.
    فالسر ليس مجرد اعتراف مؤجل، بل هو مركز التجربة كلها.
    كل الأبيات السابقة تبدو كأنها محاولات مترددة للوصول إلى لحظة البوح، لكن العاشق يظل عاجزًا عن الإفصاح الكامل، حتى تأتي النهاية المدهشة:
    كل ما أقول قربت ليك ألقاني بادي من الألف
    وهذه من أجمل النهايات في الأغنية السودانية؛ لأنها لا تمنحنا يقينًا، بل تترك الباب مفتوحًا أمام التردد الإنساني الأبدي.
    فالحب هنا أكبر من اللغة، وأوسع من الجملة، وأعقد من أن يُختصر في اعتراف مباشر.
    ولعل ما منح النص خلوده الحقيقي هو الأداء الاستثنائي للفنان خوجلي عثمان، ذلك الصوت الذي لم يكن يغني الكلمات بقدر ما كان يعيشها.
    فصوته الشفيف الحزين أضاف للنص بعدًا وجدانيًا عميقًا، حتى بدا وكأن الأغنية خرجت من منطقة بين البوح والصمت، بين الرجاء والانكسار.
    لقد استطاع خوجلي عثمان أن يمنح هشاشة العاشق جمالها، وأن يحوّل التردد إلى موسيقى، والارتباك إلى إحساس يُلامس الأرواح.
    ولهذا تبقى ما بنختلف أكثر من أغنية؛
    إنها نص أدبي كامل، يحمل رؤية فلسفية للحب بوصفه معرفة، وتهذيبًا للنفس، واعترافًا مؤجلًا لا ينتهي.
    إنها عمل يُقرأ بعين الناقد، ويُحس بالقلب، ويظل عالقًا في الوجدان لأن صدقه أكبر من الزمن.