بقلم: م.م الإمام عبداللطيف الإمام

النعمة إذا لم تُصَن، أُهينت. والمال إذا لم يُوضع موضعه، صار مهانة لصاحبه قبل أن يكون إهانة لغيره.
في زمنٍ اختلطت فيه المروءة بالتباهي، صار بعض الناس يظنون أن الرجولة تُقاس بكمّ الأوراق النقدية التي تُنثر في الأعراس والمناسبات، فتُلقى على الأرض، وتُداس بالأقدام، كأنها ترابٌ لا قيمة له.
*هذا ليس كرماً… هذا سفه.*
الكرم أن تُعطي المحتاج في يده، فتصون ماء وجهه.
أما أن تنثر المال ليتدافع عليه الناس، ثم تطأه الأقدام، فهذا استعلاءٌ مقنّع بالبذخ، وإستخفافٌ بكرامة المال، وكرامة الإنسان معه.
*أيُّ جهلٍ هذا؟*
أتنسى أن هذه الورقة التي تدوسها بقدمك اليوم، قد بات بسببها أبٌ ساهراً، وعاملٌ أنهكه التعب، وتاجرٌ سهر الليل يحسب حسابه؟
أتنسى أن في البلد جائعاً لا يجد قوت يومه، ومريضاً لا يجد ثمن الدواء، وطالباً تعثرت دراسته لأن أباه عجز عن رسومها؟
فإن لم تصل النعمة إلى هؤلاء، فضعها في يد يتيم، أو ساهم بها في بناء مسجد، أو أطفئ بها دين مديون.
فذلك أبقى لك أجراً، وأرفع لك ذكراً.
*والأمر يتجاوز الأخلاق إلى الاقتصاد*
ما تفعله ليس مجرد سلوك فردي، بل له أثر مباشر على اقتصاد البلد وحياة الناس.
فالمال الذي يُنثر ويُهدر لا يدخل دورة الإنتاج، ولا يبني مصنعاً، ولا يشغل عاملاً، ولا يفتح دكاناً.
هو مالٌ يُخرج من التداول ليُهدر في لحظة تفاخر، فتزداد السيولة في غير موضعها، ويتضخم الإستهلاك المظهري على حساب الإستثمار والإنتاج.
والنتيجة أن ترتفع الأسعار على الفقير، ويشعر المواطن أن قوته الشرائية تذوب، بينما يرى غيره يحرق المال أمام عينيه بلا نفع.
فأنت حين تدوس النعمة بقدمك، إنما تدوس معها على فرصة وظيفة، وعلى رأسمال مشروع صغير، وعلى أمل أسرة كانت تحتاج هذا المبلغ ليقوم عودها.
الإقتصاد القوي لا يُبنى بالبذخ، بل يُبنى بالإنتاج والإدخار والتوجيه الحكيم للمال.
وأما من يفعل ذلك ليُقال: فلانٌ سخي، فلانٌ كريم…
فليعلم أن الناس قد يصفقون لك اليوم طمعاً، لكنهم في أنفسهم يحتقرون فعلك.
والله لا يخفى عليه ما في الصدور.
قال تعالى: *﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾*.
والتبذير ليس فقط في الإسراف، بل في وضع الشيء في غير موضعه. وأي موضعٍ أضيع من أن يكون المال تحت النعال؟
*يا من تنثر المال وتدوسه:*
لو جاع بيتك يوماً، لعرفت قيمة الجنيه الواحد. ولو مرض ولدك ولم تجد له دواء، لبكيت على كل ورقةٍ أهنتها بالأمس.
فالمال نعمة، والنعمة تزول بالكفر بها، وتثبت بالشكر لها.
*اتقوا الله في أموالكم.*
لا تجعلوا أفراحكم مظهراً للخيلاء، وأتراحكم مسرحاً للتباهي.
فالعز ليس في كثرة ما تنثر، بل في عفة ما تُعطي، وستر ما تُخفي.
قال تعالى: *﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾* [إبراهيم: 7].











إرسال تعليق