*حوارات حول الأفكار(219)*
بقلم/ د.حيدرمعتصم مدني
“مدير مركز الخرطوم للحوار”
ليست قوة الدول الحديثة في جيوشها وحدها،ولا في حكوماتها فقط، وإنما في وجود مساحات مجتمعية مستقلة تحفظ التوازن بين المجتمع والدولة والسياسة.وهذه المساحات هي ما يُعرف اصطلاحًا بـ “المجتمع المدني”.
لكن إحدى أكبر أزمات السودان المعاصر أن المجتمع المدني لم يُترك ليمارس وظيفته الطبيعية بوصفه مجالًا وطنيًا مستقلًا، بل ظل ـ في كثير من المراحل ـ ساحة للاستقطاب، أو أداة للاحتواء السياسي، أو ذراعًا لمعركة السلطة.
ومن هنا بدأ الخلل البنيوي.
لأن المجتمع المدني حين يفقد استقلاله… لا تخسر مؤسسة بعينها فقط، بل تخسر الدولة أحد أهم صمامات التوازن داخلها.
*ما هو المجتمع المدني؟*
المجتمع المدني ليس حزبًا سياسيًا، وليس حكومة، وليس مؤسسة عسكرية.بل هو المجال الذي يتحرك بين:
المجتمع والدولة والسياسة
ويشمل:
النقابات
الاتحادات
الجمعيات
المنظمات
الروابط المهنية
المبادرات المجتمعية
المؤسسات الثقافية والفكرية
مراكز الدراسات
الكيانات التطوعية
أي أنه يمثل المجال الذي يُعبر فيه المجتمع عن نفسه خارج إطار السلطة المباشرة.ولهذا فإن المجتمع المدني في الدول المستقرة يؤدي وظائف شديدة الحساسية، أهمها:
حماية التوازن المجتمعي
مراقبة الأداء العام
الدفاع عن المصالح المهنية والاجتماعية
بناء الوعي
تخفيف الاحتقان
إنتاج قيادات مجتمعية
خلق مساحات للحوار الوطني
بمعنى آخر: المجتمع المدني ليس أداة للوصول إلى السلطة… بل أداة لحماية المجتمع من تغول السلطة أيًا كانت.
*المشكلة السودانية: تسييس* *المجتمع المدني*
في السودان، لم تُترك هذه المساحات لتنمو طبيعيًا بوصفها مؤسسات وطنية مستقلة.
بل تعرضت باستمرار لمحاولات:
الاختراق
الاحتواء
التوجيه
والتوظيف الأيديولوجي
*فكل تيار سياسي كان* *يحاول أن يجعل:*
النقابة امتدادًا له
والاتحاد واجهة له
والمنظمة منصة له
والشارع مخزونًا تعبويًا له
وبالتالي لم يعد المجتمع المدني في كثير من الأحيان يعمل باعتباره “مجتمعًا”، بل باعتباره جزءًا من معركة النفوذ السياسي.
وهنا تبدأ الكارثة.
*حين تتحول المؤسسات* *المجتمعية إلى أدوات صراع*
النقابة حين تُختزل في الصراع السياسي تفقد وظيفتها المهنية.
والمنظمة حين تتحول إلى ذراع أيديولوجية… تفقد ثقة المجتمع.
والاتحاد حين يصبح منصة تعبئة حزبية… يفقد قدرته على تمثيل الجميع.
وهكذا يدخل المجتمع المدني في عملية استنزاف خطيرة: يفقد فيها حياده، ثم يفقد استقلاله، ثم يفقد شرعيته المجتمعية، ثم يتحول إلى مجرد امتداد للاستقطاب السياسي العام.
وفي هذه اللحظة لا يعود المجتمع المدني قادرًا على لعب دوره الحقيقي كوسيط وطني.
*الدولة تحتاج إلى مجتمع* *قوي لا تابع*
الدول المستقرة لا تخاف من المجتمع المدني المستقل… بل تحتاجه.لأن وجود مجتمع مدني قوي يعني:
وجود قنوات سلمية للتعبير
ووجود مؤسسات توازن السلطة
ووجود شبكات حماية اجتماعية
ووجود قدرة على امتصاص الأزمات
أما حين يُختطف المجتمع المدني سياسيًا، فإن الدولة تخسر منطقة التوازن بين:
السلطة
والمجتمع
فتتحول كل أزمة اجتماعية إلى أزمة سياسية، وكل مطلب مهني إلى صراع سلطوي، وكل اختلاف إلى استقطاب حاد.
وهذا ما عان منه السودان طويلًا.
*المجتمع المدني ليس بديلًا* *للدولة*
ومن الأخطاء الخطيرة أيضًا أن بعض الخطابات تعاملت مع المجتمع المدني وكأنه بديل للدولة أو سلطة موازية لها.
بينما الحقيقة أن:
الدولة ضرورة
والسياسة ضرورة
والمجتمع المدني ضرورة
لكن لكلٍ مجاله ووظيفته:
فالمجتمع المدني لا يحكم، لكنه يساعد على منع الانحراف.
ولا يدير الدولة، لكنه يساعد على حماية المجتمع من تغولها.
ولا يقود الجيوش، لكنه يساعد على حماية المجال العام من الاحتكار.
ولهذا فإن الخلط بين الأدوار ينتج دائمًا اضطرابًا في بنية الدولة.
*لماذا فشلت التجربة* *السودانية؟*
لأن السياسة في السودان لم تكتفِ بالتنافس على السلطة… بل حاولت السيطرة على المجتمع نفسه.
فأصبحت الأحزاب لا تريد فقط:
الفوز بالحكم
بل تريد أيضًا:
احتكار النقابات
وتوجيه المنظمات
والسيطرة على الشارع
وإعادة تعريف المجتمع وفق رؤيتها الأيديولوجية
و إعادة تعريف الدولة نفسها
وبذلك تحولت المؤسسات المجتمعية من مؤسسات وطنية جامعة… إلى ساحات انقسام واستقطاب.
*الحاجة إلى إعادة تأسيس* *المجتمع المدني*
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى تسوية سياسية… بل يحتاج إلى إعادة بناء المجال المجتمعي نفسه.
أي إعادة تأسيس مجتمع مدني:
مستقل
ووطني
وغير تابع للسلطة أو المعارضة
يعمل وفق المصالح المجتمعية لا الحسابات الحزبية
مجتمع مدني يرى نفسه: حارسًا للتوازن الوطني، لا جنديًا في معركة الاستقطاب.
وهذه ربما واحدة من أهم المعارك الفكرية القادمة في السودان.
لأن بناء الدولة لا يبدأ فقط من إصلاح السلطة… بل يبدأ أيضًا من تحرير المجتمع من هيمنة السياسة عليه.
وحين يستعيد المجتمع استقلاله… يمكن عندها فقط أن تستعيد السياسة عقلانيتها، وتستعيد الدولة توازنها، ويستعيد الوطن قدرته على البقاء.











إرسال تعليق