بقلم / م.م الامام عبداللطيف الامام
“وزير التخطيط العمراني بولاية سنار الاسبق”
شهادة مولانا العالم حسين الفكي في حق المستشار الطيب شيقوق ليست مدحاً عابراً، بل وثيقة تكشف عقلاً تشكّل مبكراً على تعدد المعارف. رجل جمع بين صرامة القانوني، وذائقة الأديب، وبصيرة الخبير في فقه الأوراق المالية.
غير أن حديث مولانا عن زواج الأخ الطيب وبعض محطات مسيرته يستدعي ضبطاً توثيقياً، وفاءً للحقيقة والتاريخ. فالطيب شيقوق تزوج وهو طالب في الصف الثاني الثانوي عام 1973، قبل سنوات من دخوله الجامعة. ثم حاول الالتحاق بكلية القانون في عامي 1976 و1977 دون توفيق، حتى أُعيد فتح الطريق أمامه عام 1979، ليلتحق بالكلية بالشهادة ذاتها التي شكّلت منعطفاً في مساره.
وتُوِّج هذا المسار بتخرّجه من جامعة الخرطوم عام 1983 بدرجة بكالوريوس القوانين مع مرتبة الشرف، وهي مرتبة لا ينالها إلا المتفوقون، لتكون خلاصة رحلة طويلة من الجد والكدح وتجاوز تحديات البدايات.
وفي امتداد هذه السيرة، تتكشف ملامح رجل لم تصنعه القاعات الأكاديمية وحدها، بل صاغته الحياة مبكراً بتجارب المسؤولية والزواج والعمل. وهو ما منحه نضجاً خاصاً انعكس في حضوره المهني والفكري لاحقاً.
*ريحانة المجالس في قاهرة المعز*
لكن الصورة الأجمل تتجلى في سنوات النزوح التي عشناها سوياً في قاهرة المعز. هناك، تحوّل الغياب عن الوطن إلى مساحة لصناعة حضور بديل. وكان الطيب شيقوق بحق “ريحانة المجالس”، يخفف علينا وطأة الغربة، ويعيد إلى الأذهان دفء السودان المفقود، ويحوّل لقاءاتنا إلى فضاءات عامرة بالأدب والفكر والسمر الجميل.
وبرفقة الراحل المقيم المرحوم الحاج عبد الله أحمد الصديق، تأسس منتدى جمعنا بنخبة من القانونيين السودانيين في المهجر: من محامين وقضاة ووكلاء نيابات، وحتى رؤساء قضاء سابقين وقامات رفيعة، من بينهم مولانا عبيد حاج علي، وقضاة المحكمة العليا وفي مقدمتهم مولانا الدكتور يوسف العبيد، وصولاً إلى سعادة نائب رئيس القضاء الحالي مولانا العالم منير محمد الحسن.
وكان منزل الأخ الراحل المقيم المرحوم الحاج عبد الله أحمد الصديق هو الدار التي نلتقي فيها برحابة، في نهاية كل أسبوع، فتتحول اللقاءات إلى مساحة للأنس الفكري وتبادل الرأي واستعادة روح الوطن في غربته.
كما ضمّ المنتدى نخبة من المحامين الأفذاذ، منهم الأساتذة محمد الوسيلة محمد، وشيخ العرب كرار صديق، وعبد الرحيم النصري، وعبد الوهاب سامبا عضو لجنة قبول المحامين. وأسهموا في إثراء النقاشات وإضفاء عمق مهني على تلك المجالس. وكان برفقتهم دوماً البروفيسور محمد أحمد إدريس، المحاضر بكلية العلوم جامعة الخرطوم سابقاً، فأضفى بعداً أكاديمياً عزّز الطابع الفكري للقاءات، وجعلها ملتقى جامعاً بين القانون والعلم والتجربة.
*نافذة على نوادر “البرلوم”*
ومن محطات حياته الجامعية تبرز نادرة من نوادر “البرلمة”. ففي بداياته بالجامعة رُزق بمولودة سماها “عالية”، وكانت ثالث أبنائه بعد عبد الله ومرتضى. فما كان من بعض طلاب السنوات المتقدمة إلا أن مازحوه، وأقنعوه بوجود بند في ميزانية الجامعة يُسمى “سمايات الطلاب”، يمكن للطالب بموجبه طلب دعم مالي عند ولادة مولود أثناء الدراسة.
ولم يقف الأمر عند المزاح، بل صاغوا له خطاباً رسمياً موجهاً إلى عميد شؤون الطلاب آنذاك الدكتور الطيب حاج عطية. فحمله الطيب ببراءة كاملة إلى مكتب العميد بعد استئذان السكرتيرة.
وحين اطلع العميد على الخطاب، انفجر ضاحكاً ضحكاً لم يألفه مكتبه من قبل، وأدرك أنها إحدى طرائف “البرلمة”. ثم قال له بلطف الأب وابتسامة العالم:
“اجلس يا ولدي واسمعني… الجامعة تسكنك نعم، وتوفر لك السكن نعم، والوجبات والكتب والمراجع نعم. أما أن تُولد لك بنت وتُصرف لك مصاريف السماية، فهذه لم يسبقك إليها أحد من قبل”.
وبقيت تلك الحادثة من أجمل نوادر البدايات التي تُروى عن تلك المرحلة.
*مقاومة الغربة بالمعرفة*
وفي سنوات النزوح تلك، لم تكن المجالس مجرد لقاءات اجتماعية، بل كانت مساحة لمقاومة الغربة بالمعرفة، واستعادة الوطن بالذاكرة، وإحياء روح الانتماء في زمن كانت فيه المسافات بين الإنسان ووطنه أعمق من الجغرافيا.
*شكر ووفاء*
وأخيراً، لا بد من كلمة شكر وتقدير للقائمين على إدارة جريدة فايف دبليوز نيوز، الذين أتاحوا مساحة لهذا التوثيق، وفي مقدمتهم الأخ العيكورة مدير الجريدة، والإعلامي الحصيف أحمد يوسف التاي، الذين فتحوا أبواب المنبر لهذا النوع من الكتابة التي تمزج بين السيرة والذاكرة والتجربة.
وهكذا يبقى الطيب شيقوق: قانونٌ يمشي على قدمين، ووطنٌ صغير نلقاه كلما ضاقت بنا المنافي.
م.م الامام عبداللطيف الامام
القاهرة – التاسع من مايو 2026










إرسال تعليق