السردبة والطناش” في بلد “الطشاش” …(دُقُّوني بس، ما تجرُّوا)

  • بتاريخ : 8 مايو، 2026 - 4:00 م
  • الزيارات : 180
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    قبل أيام ظهر زعيم قبلي مشهور في مقطع فيديو وهو يخاطب لقاءً جماهيريا، ويتهم وزيرين في الحكومة بالفساد والسرقة، ويقول: قلت للوزير( ذكر اسمه) انت حرامي، و(….) برضو حرامي – ذكر اسمه أيضا – ، وأنا عندي المستندات وما بتكلم ساكت..
    الوزير وقتها كان يشكو للزعيم القبلي تجاوزات وسرقات حدثت من أبناء المنطقة فكان ردة فعل الزعيم أن أثنى على تجاوزاتهم واشاد بها، لأنه حسب ماقال انه يمتلك مستندات تثبت ان الوزير حرامي وصاحبه الوزير الآخر حرامي…!! (يعني بقت على سرقة اولادنا بس، كلنا حرامية يا سيدي وما فيش حرامي احسن من التاني..) – ما بين القوسين من عندي..
    قبل أيام أيضًا طالعنا المقالات الاستقصائية المدعومة بالمستندات للصحافية رشان أوشيء وهي تتهم مسؤولًا سياديًا رفيعًا بتجاوزات خطيرة للغاية وذكرت اسمه علنا.. وقبل ذلك تردد الحديث كثيرًا في بعض المنصات عن تعيين ابنة المسؤول الرفيع في وظيفة سكرتير اول بواشنطون بناءً على طلبه وبتدخل منه شخصيًا دون إيفاء شروط الوظيفة أي عن طريق المحسوبية..
    ومع ذلك مرت الأيام، ومرت معها كل تلك الأشياء كأن شيئًا لم يكن.. بل كل ما حدث هو (السردبة، والطناش في بلد الطشاش)، إمعانا في المثل (الكلاب تنبح والجمل ماشي) ..
    كُنا نريد من الدولة القليل من الحساسية تجاه الفساد.. لأن “السردبة والطناش” في هذه الحالة يرسخ في الأذهان صحة ما أثير من اتهامات ويعطي إشارة بأن الفساد في الدولة أصبح ممنهجًا ومحميًا بالسلطة، أو هو فساد دولة..فإن كان الذين وُضعوا في قفص هذا الاتهام الخطير لاتهمهم أنفسهم وسمعتهمم، كان على الدولة أن تهتم بسمعتها وسمعة مسؤوليها الكبار حتى لايرسخ في الأذهان أن الأمر فساد دولة، أو هو كذلك بالفعل .. كان على الدولة أن ترفع الملف للقضاء إما براءة أو إدانة، وقبل أن يصدر الحكم الواجب على الدولة أن توقف عن العمل أي مسؤول حامت حوله “شبهة” ريثما يتم التحقيق معه ويقول القضاء كلمته، فإما بريء ويعود الى وظيفته أو مُدان فيُقال من منصبه…هذا هو القانون ..
    (2)
    ليس هناك أسوأ من ممارسات الفساد المالي والإداري والأخلاقي ، والفساد المنظم المحمي بالسلطة والنفوذ، إلا التبرير الانتهازي الغبي الذي يُشاع في الناس أن الوقت غير مناسب للحديث عن الفساد ومحاسبة المفسدين والمتجاوزين ، وأن الوقت الآن لحسم معركة الكرامة ولا شيء يجب أن يشغل الناس سوى حسم المعركة أولا..!! وليت هذا المنطق الانتهازي الإبتزازي الفاسد يتوقف عند هذا الحد بل تعداه إلى محاولة ترسيخ مقولة أخرى تشير إلى أن فضح الفساد في وقت المعركة هو تخذيل وعمالة وخيانة.. فمتى كانت فضح الفساد والمطالبة بقطع شأفته ومحاسبته بالقانون عمالة ومؤامرة..؟؟؟!!! ..
    وهذا يؤكد أن شبكات الفساد هي التي تحاول تثبت هذه المفاهيم في أذهان البسطاء حتى لا يلتفتوا الى فسادهم الذي أزكم الأنوف واعيا الطبيب المداويا.. وهناك من يردد ذلك بدون وعي او تدبر في الأضرار الكبيرة الناجمة عن إهدار موارد الدولة وتبديدها والتلاعب بقوانينها وأعرافها لصالح اشخاص ومجموعات وشبكات ومراكز نفوذ ، والدولة أحوج ما تكون لهذه الموارد والأموال لمقابلة نفقات الحرب والخدمات..فهل إهدار وتبديد المال العام والتلاعب بالقوانين والتستر على الفاسدين يدعم حسم المعركة؟ اللهم إلا إذا كانت المعركة ضد حماة المال العام وسيادة القانون والنزاهة والاستقامة..!!
    (3)
    محاسبة الفاسدين ، ورفع الصوت بضرورة معاقبتهم فضيلةٌ وجهادٌ ، ودفعٌ للظلم وانتصارٌ للحق والعدالة والقيم، فما الذي يبرر تعطيل كل ذلك..
    ليس هناك مبررًا لتعطيل العدالة، كما ليس هناك مبررًا لترك الوقوف في وجه الظالم، وليس هناك تبريرًا لإنتقاء القانون والعدالة وتطبيق الأحكام على الضعفاء وترك “الشرفاء” “المخزوميين”.. ” وأيم الله لوسرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها”.. صدق رسول الله.
    وهنا نقول للمتنطعين “المبرراتية” والانتهازيين أصحاب منطق ( الوقت ليس مناسبًا لفضح الفساد والدعوة للمحاسبة، والمطالبة بإرجائه إلى ما بعد المعركة).. نقول لهم أن الرسول صلى عليه وسلم عاش مجاهدا، ومنذ أن هاجر إلى المدينة كان في حرب وحصار ومعارك مستمرة، لكنه لم يعطل العدالة يومًا، ولم يتردد في المحاسبة ولم يكن يسمح بتجاوز الحدود ، ولا المحسوبية ولم يقل يومًا ان الوقت للحسم العسكري للكفار، وليس من المناسب ان نتحدث، عن الفساد والتجاوزات، لم يقل ذلك، بل كان يحارب الأعداء في الميدان ويقطع يد السارق ويرجم الزانية، ويطبق قانون الحدود كما ينبغي .. بل كان يقسم قَسمًا مغلظًا: ( وأيم الله لوسرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها)..ورفض شفاعة أحب الناس إليه – أسامة بن زيد- ” أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟؟!!”..صلى الله عليك يا حبيب الله، فلم تترك شاردة ولا واردة إلا تركتنا حيالها على المحجة البيضاء، لكن ماذا نقول مع ناس (الهبرو ملو) الذين ما فتئوا يُفتئون فوق كلام الله وكلامك وسنتك..اللهم أهدهم إلى سواء الصراط…
    (4)
    بعض الذين يمررون ممارسات الفساد تحت غطاء وتبرير حرب الكرامة أصبح ليس لديهم كرامة، ولم تعد لديهم أية حساسية تجاه الفساد فيما امسى بعض المسؤولين لاتهمهم سمعتهم ولا “كرامتهم”، و لايواجهون الإتهامات الموثقة حتى بمجرد ظهور إعلامي للنفي أو “حتة” بيان ليقولوا للناس ما سمعتوه أو قرأتوه كذب ونملك دليل البراءة، لم يفعلوا ذلك بل “سردبوا” و”طنشوا” ولم يذهبوا للقضاء لتبرئة نفسهم مما علق بها من اتهامات خطيرة، فلو كانت تهمهم شمعتهم أو كانت له كرامة لفعلوا ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا.. فكلوا ما فعلوه صمتوا وصهينوا وتحملوا وخز الأقلام..
    (5)
    اختم بطرفة: أحد المشايخ كان جائعًا، فأصاب من طعام حرام، فكان رفقاؤه يوبخونه وينتهرونه ويزجرونه بشدة ليقلع عن الطعام الحرام ولكنه لايستجيب، وبعضهم طفق يضربه فلم يهتم للضرب – شغال ياكل بس- أحدهم أمسك بتلابيبه وجرَّه إليه ليبعده من الطعام، فماكان منه إلا أن استشاط غضبًا وقال: ياخ نبزوني واضربوني زي ماعايزين، لكن جَرْ لا..!!
    في تقديري أن “الجَرْ” و”الإبعاد” من مكان “الأكل” هو ما يخشاه الأكلة، أما “الكلام” فلن يجدي ولا أسنة الأقلام سيجدي وخزها فالجلود “تخنت” كثيرًا من فُرْطِ ما ران عليها من أحاديث الفساد…
    فالإبعاد و”الجَر” بالإيقاف ثم المحاكمة بالقضاء، فإما البراءة أو الإدانة…..اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.