-
م.اسماعيل بابكر
الخبير الدولي للأمن السيبراني والتحول الرقمي
هذا الوصف دقيق ومؤلم في آن واحد، فالمثل الشعبي يقول “حضروا لدفن والده دسَّ المحافير” يطبق في السودان. يختصر حالةالمقاومة الداخليةللتغيير والنهضة. هو تعبير عن الشخص الذي يعيق العمل في اللحظة الحرجة التي تتطلب التكاتف وهكذا يُعامل الكثير من الخبراء السودانيين تُطلب مشورتهم صورياً وعند وقت التنفيذ تُخفى المحافير (الأدوات والقرار) لتعطيلهم.
هذا السلوك نابع من عدة إشكاليات تسببت في عرقلة السودان من فترة ليس بالقصيرة منها:
1.صراع النفوذ والكراسي
يخشى بعض المسؤولين من “الخبير” لأن كفاءته قد تكشف مواطن الخلل أو تهدد وجودهم الإداري. الخبير يتحدث بلغة الأرقام والنتائج، بينما يعتمد البعض على الولاءات والبيروقراطية لذا يُنظر للخبير كعنصر “مزعج” بدلاً من كونه “منقذ”.
2.غياب الإرادة السياسية للتطوير
عندما يضع خبير استراتيجي خطة لرقمنة قطاع حيوي (كالزراعة أو الخدمات) أو لتأمين البنية التحتية المعلوماتية هو بذلك يغلق أبواب “الترضيات” والمحسوبية.
“دس المحافير” هنا هو وسيلة لتعطيل هذا التحول ليبقى الوضع على ما هو عليه.
3.إهدار “الزمن القومي”
بينما يتطوع الخبراء لتقديم حلول مجانية نابعة من حب الوطن يواجهون ببرود إداري يجعلهم يشعرون بأنهم “غرباء” في بلدهم. النتيجة هي أن الدولة تخسر سنوات من التقدم في صراعات إدارية صغيرةبينما تسبقنا دول بدأت من حيث انتهينا.
4.تحويل النجاح إلى “عمل فردي” وليس مؤسسي
حتى عندما ينجح خبير سوداني في تحقيق اختراق ما رغم “دس المحافير” يُنسب النجاح غالباً للمؤسسة لا لصاحب الفكرة، أو يتم تهميشه لاحقاً بدلاً من تعميم تجربته كنموذج يُحتذى به.
الواقع المرير:
السودان اليوم في مرحلة حرجة لا تحتمل “دس المحافير”.
نحن في أمسّ الحاجة لكل يد تحمل معولاً للبناء سواء في حماية أمننا السيبراني، أو النهوض بمشروع الجزيرة الي رقمي ، أو إعادة هيكلة الإدارة الحكومية والتحول الرقمي.
إن استمرار هذا النهج هو الذي دفع آلاف العقول السودانية لتبني نهضة دول أخرى.
السودان لاينقصه المورد البشري الذكي بل ينقصه النظام الإداري الذي يسمح للخبير بالقيادة والتنفيذ عندما تستبعد الخبرات يفتح الباب أمام التخبط الإداري.
في حين يظل الوطن ينتظر “محفاراً” واحداً يُسمح له بالعمل دون اعتراض.
نسأل الله حسن البصيرة .











إرسال تعليق