امكانية التكامل بين التمويل الخالي من الفائدة والتمويل التقليدي الغربي ضمن إطار مؤسسي موحد

  • بتاريخ : 11 مايو، 2026 - 3:12 م
  • الزيارات : 158
  • بقلم / بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم

    “محافظ بنك السودان المركزي السابق”

    امكانية التكامل بين التمويل الخالي من الفائدة والتمويل التقليدي الغربي ضمن إطار مؤسسي موحد.

    يواجه التمويل الخالي من الفائدة في الغرب معارضة ناتجة عن عاملين رئيسيين: الأول هو التصور الخاطئ السائد بأنه نظام تمويلي ديني يقتصر على المسلمين فقط، والثاني يتمثل في ضعف وعي العملاء وسوء الفهم المتعلق بمزايا أساليب التمويل الإسلامي خارج الإطار الإسلامي نفسه. كما يساهم قطاع الصيرفة الإسلامية ذاته في ترسيخ هذا الفهم الخاطئ من خلال تسويق خدماته بوصفها تمويلاً دينياً بحتا.

    ويمثل دمج الصيرفة الخالية من الفائدة داخل النظام المالي التقليدي تحدياً كبيراً، فعلى الرغم من تزايد توافر المنتجات المالية الخالية من الفائدة، لا تزال العديد من الجهات التنظيمية والخبراء غير ملمين بكيفية هذا الدمج، الأمر الذي قد يؤدي إلى التردد في الاستثمار في هذه المنتجات أو تبنيها غي الغرب وافريقيا على المدى القصير.

    وعلى الرغم من أن التمويل الإسلامي يستند في جذوره إلى أبعاد اجتماعية وسياسية، فقد تمكنت المؤسسات المالية الإسلامية من تطوير بدائل مشروعة للقروض التقليدية تؤدي وظائف مشابهة للقروض القائمة على الفائدة في النظم الغربية للتجارة دون أن يتعارض ذلك مع أحكام الدين الاسلامي. إلا أن التمويل الإسلامي أصبح مع مرور الوقت أكثر تأثراً بالنظريات الاقتصادية الغربية، وتشابك مع الإطار الفكري الذي كان يسعى في الأصل إلى تحديه. وتكتسب هذه النتيجة أهمية من زاوية محددة، إذ إن هذا التقارب، بغض النظر عن مدى مشروعيته أو ما قد يكشفه من أوجه قصور في النظام المصرفي الإسلامي، يعكس الحالة الراهنة للعلاقة الوثيقة بين النظامين، وهي النتيجه المحورية التي استفدت منها في اخراج كتابي الاول الذي طبع بألمانيا بسبعة لغات في العام 2024 بعنوان:

    Conventional Route to Interest-Free Microfinance: A New Global Paradigm.

    هذا الى جانب كتابي الثاني الذي طبع في 2025 في نفس المطبعة بعنوان:

    Pragmatism in Financial Inclusion: Theoretical and Conceptual Foundations of Interest-Free Microfinance within a Conventional Framework.
    هذا الكتاب الثاني وضع الأسس النظرية والمفاهيمية التي يقوم عليها هذا النموذج العالمي الجديد الذي نشر في الكتاب الاول.

    الكتاب الثالث المكمل لهاذين الكتابين سينشر بمطبعه امريكيه قريبا ويتناول التطبيقات العمليه للفكرة في الكتاب الاول.

    فكرة الأسلوب التقليدي الثالث للتمويل الأصغر الخالي من الفائدة يتطلب من البنوك العاملة في النظام الغربي الاستفادة من الصيغ بدون فوائد لكن بدون صبغة دينية وبدون تغيير في التشريعات الغربية لاستيعاب هذا النموذج الجديد. وبذلك لا يتطلب تطبيق الأساليب الخالية من الفائدة داخل النظام التقليدي تغييرات جوهرية، مما يجعل النظام الجديد أكثر سهولة في التطبيق مقارنة بالمحاولات منذ السبعينات الداعية لانشاء نظام مالي إسلامي متكامل في البيئات الغربية دون نجاح كبير يذكر. والغريب في الامر انني وجدت هذا النظام مطبق في صيغ الشراكه والمرابحه والسلم والاجارة بمسميات غير اسلاميه في بعض مؤسسات التمويل الأصغر في اثيوبيا وكينيا ونيجريا، حيث يعمل بدون مسمى ديني وبدون الحاجه لموافقة الجهات الرقابيه علي تطبيقه. ونجح هذا النظام في معالجة عدد من التحديات الناجمة عن اختلاف منهج التمويل التشاركي الغربي عن التمويل الإسلامي، كما أنه لم يواجه الإشكالات المرتبطة بمخاطر الالتزام الشرعي أو الرقابة الشرعية. ويمكن للنماذج الخالية من الفائدة جميعها وليس فقط المشاركه أن تعمل ضمن الأطر القانونية والتنظيمية القائمة للمؤسسات المالية التقليدية في الدول غير الإسلامية بالذات في أفريقيا، دون الحاجة إلى رؤوس أموال جديدة أو فصل الموارد المالية كما هو الحال في النظام المزدوج في الخليج مثلا. كما يؤكد هذا المقترح إمكانية دمج التمويل الخالي من الفائدة مع التمويل التقليدي داخل المؤسسة نفسها، مع الالتزام بالأنظمة والقوانين المدنية أو التقليدية السائدة دون تغيير أو اضافات. الحاجة لهذا التغيير شكل معضله في تبني النظام الاسلامي الكامل المرتبط بالشريعة بالغرب وافريقيا. كما يمكن تحقيق هذا الدمج دون تعدد أو تعارض في الأدوار من خلال توحيدها تحت مظلة مؤسسية واحدة. ومع ذلك، قد تحتاج بعض المؤسسات الغربية أو الأفريقية إلى استثناءات أو تصاريح خاصة لممارسة أنشطتها بما يتوافق مع مبادئ التمويل الخالي من الفائدة التقليدي بنفس التشريعات السائدة.

    إضافة إلى ذلك، سيظل تركيز النظام الجديد على نماذج التمويل متسقاً مع رسالة المؤسسة التقليدية وحوكمتها دون تغيير. فالتمويل الأصغر الخالي من الفائدة المصمم للمؤسسات التقليدية بدون أي طابع ديني، كما أوضح الكتاب، يسمح بإمكانية استخدام مؤسسات التمويل الأصغر الغربية للودائع في الأنشطة المصرفية التقليدية في التمويل دون شرط، وهو ما يعكس اتجاهاً معاكسا للمبادئ الأساسية للصيرفة الإسلامية التي تمنع استخدام هذه الأموال عند إنشاء نافذة إسلامية مستقلة داخل اي بنك تقليدي. وفي حين أن مخاطر الالتزام الشرعي تعد من المخاطر الخاصة بمؤسسات التمويل الأصغر الإسلامية التي لا يتطلبها هذا النموذج المقترح، فإن بقية المخاطر تكاد تكون مشتركة بين النظامين، مع تشابه كبير في استراتيجيات إدارتها.

    بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم