حق لي أن أبكيك… يا عمود الخيمة الذي انكسر

  • بتاريخ : 11 مايو، 2026 - 7:29 ص
  • الزيارات : 381
  • رثاء في رحيل عميد أسرة المدثراب: جلال الدين المنصور

    بقلم: المفجوع الإمام عبد اللطيف الإمام

    الحمد لله الذي كتب الفناء على خلقه، واختصّ بالبقاء وجهه الكريم.
    ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ _ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾

    حق لي أن أبكيك يا جلال الدين المنصور… وحق لصدري أن ينشقّ من الألم.

    حين يرحل الكبار… لا يهتزُّ المكان فقط، بل تتصدّع الأرض وتختل موازين الدنيا. اليوم هوى نجمنا الذي لا يأفل، وإندكّ جبلنا الذي لا يميل، وسقط عمود خيمتنا فقامت الخيمة على وجع. ترجّل فارس المدثّرات، وعميدها، ومعلّمها، وسيفها، ودرعها.

    يا الله… ما أقساه من خبر. ما كان رحيله سطراً في نعي، بل كان زلزالاً ضرب أركان الروح. ما فقدنا رجلاً، بل فقدنا أمة في رجل. فقدنا الركن الشديد، وصوت الحكمة إذا إحتدم الخلاف، وذاكرة النسب إذا ضاعت الأنساب، وملاذ الرأي إذا تاهت العقول.

    حق لي أن أبكيك. فمن لنا بعدك إذا ادلهمّت الخطوب؟ من لنا إذا ضاقت بنا السبل وتشابكت الفتاوى؟ كان متكأ الضعفاء قبل الأقوياء، وملجأ الملهوفين قبل الوجهاء، وسراج الظلمة إذا أطبق الليل. كان إذا تكلم أنصت الجميع هيبة، وإذا حكم رضي الخصمان عدالة، وإذا غاب حضرت الحيرة.

    كان هو التاريخ يمشي على قدمين. يحفظ الأنساب كما تُحفظ الفاتحة، ويروي مآثر الرجال كما تُروى المعلقات. عارفاً بأيام العرب وأخبارها، ذوّاقاً للشعر يحفظه عن ظهر قلب، يستحضر البيت كأنه نزل فيه. فكان مجلسه ديوان عرب، ومدرسة حكمة، ومحراب أدب. كنا نخرج من عنده أغنى عقلاً، وأهدأ قلباً، وأثبت قدماً.

    يا لوجعي عليك يا صهري ويا أخي ويا رفيق روحي. قوي الحجة لا يُغلب، صادق الكلمة لا يحيد، عزيز النفس لا يُشترى، نظيف السريرة كالماء الزلال. لا يجامل ظالماً ولو كان إبنه، ولا يساوم على حق ولو كان فيه حتفه. إذا استُفتي في الحق صدع به لا يخشى لومة لائم، وإذا وعد وفى ولو على نفسه. كان حياؤه يسبق هيبته، وعدله يسبق عاطفته. جمع المجد من أطرافه: هيبة الأسود وبشاشة الأطفال.

    حق لي أن أصرخ بالفجيعة. حين يفتقر الفقير كان جلال جيبه، وحين تشتعل الأزمة كان جلال نارها التي تطفئها. يقف حيث تتراجع الجموع، ويثبت حيث تميد الجبال. كان للمدثّرات العمود الذي لا يميل، وللأهل السند الذي لا يخون، وللوطن الهمّ الذي لا يغيب. نذر عمره لاسرته ولنا جميعاً… فصرنا يتامى في حياته وبعد مماته.

    كان رجل أمة من طراز فريد. كبيراً في حمله همّ القبيلة والوطن، يذود عنهما بقوة المنطق ورباطة الجأش. كان بحراً لا ساحل له، وجبلاً لا تهزّه العواصف.

    كان إنساناً فريد عصره : ندي الوجه، طلق المحيا، رقيق القلب، نقي السريرة، حلو المعشر، كريم السجايا، هيناً ليناً كالنسيم، صلباً في الحق كالسيف.

    اليوم… يا لخواء المجالس من بعده. أتلفت فلا أراه، وأمد يدي فلا تلمسه، وأنادي فلا يجيب إلا صدى الفقد. والله إن موت الأطهار نقصٌ للأرض من أطرافها. هكذا الأخيار… تضيق بهم الأرض لترحب بهم السماء. لا يموتون، بل ينتقلون من ضجيج الفانية إلى سكينة الباقية.

    وأنا… صهره وصديقه ورفيق دربه وشاهد مواقفه. أكتب بدمع العين لا بمداد القلم. هذه ليست مرثية، هذه شهادة دم سألقى بها الله. عرفته في الأزمات قبل المسرات، وفي الملمات قبل المناسبات. فاشهد الله أني ما رأيت منه إلا رجلاً كنت أتمنى أن أكونه.

    يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي _ وَادْخُلِي جَنَّتِي

    اللهم إن حبيب قلبي وأخي وسندي جلالَ الدين المنصور قد نزل بك، وأنت أكرم الأكرمين. فأكرم وفادته، ووسّع لحده، ونوّر قبره، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم أجبر كسر قلوبنا فيه، ولا تفتنا بعده.

    فقدُك يا فارسَ الحقِّ جمرٌ لا ينطفئ في ضلوعي
    وذكراكَ وسمٌ على جبهة الدهر لا يُمحى
    عمودُ المدثّرّاتِ هوى…
    لكن هيهات أن يهوي مجدٌ بناه جلال الدين

    إنا لله وإنا إليه راجعون