بقلم / حيدرمعتصم مدني
“مدير مركز الخرطوم للحوار “
في التجارب السياسية المستقرة، تُستخدم المصطلحات الكبرى باعتبارها أدوات للفهم والتنظيم، أما في البيئات المضطربة فإنها كثيرًا ما تتحول إلى أدوات للصراع والتعبئة والاستقطاب.وهذا بالضبط ما ظل يحدث في السودان مع مصطلح “المكون المدني”.
فالمصطلح الذي كان يُفترض أن يكون توصيفًا عامًا للمجال غير العسكري داخل الدولة والمجتمع، جرى تدريجيًا اختزاله سياسيًا حتى أصبح عند كثيرين مرادفًا لتحالفات أو قوى أو اتجاهات بعينها، لا لوصفٍ موضوعي لطبيعة الدور أو الموقع.وهنا بدأت الأزمة، لأن الخلل في المفاهيم ليس مجرد خطأ لغوي… بل هو خلل ينتج اضطرابًا في الوعي، ثم اضطرابًا في الممارسة، ثم اضطرابًا في بناء الدولة نفسها.
*ما هو “المكون المدني”* *أصلًا؟*
في المعنى الاصطلاحي العام، يشير المجال المدني إلى كل ما يقع خارج الإطارالعسكري المباشر للدولة. لكن هذا المجال المدني نفسه يتكون من مستويات متعددة ومختلفة الوظائف، منها:
المجتمع المدني
الأحزاب السياسية
النقابات المهنية
الاتحادات
المؤسسات الأهلية
المنظمات
الفاعلون الاجتماعيون
النخب الفكرية والثقافية
أي أن “المدني” ليس توصيفًا سياسيًا مخصصا كما يعتقد بعض الساسة ذوي التوجهات الليبرالية في السودان ، وإنما هو توصيف وظيفي ومجتمعي عام.فالطبيب مدني. والمعلم مدني. والقاضي مدني. والصحفي مدني. ورجل الأعمال مدني. والعامل مدني.لكن ليس كل هؤلاء سياسيين.
وهنا يكمن الفرق الجوهري الذي جرى تمييعه عمدًا و بوعي مقصود في الخطاب السياسي السوداني المعاصر.
*كيف جرى اختطاف* *المصطلح؟*
بدأ الأمر حين تحولت المعركة السياسية في السودان إلى معركة شرعيات رمزية أكثر من كونها منافسة برامج أو رؤى.
فبدل أن تقول بعض القوى:
“نحن تيار سياسي له مشروعه ورؤيته”بدأ الخطاب يتحرك نحو:“نحن نمثل المكون المدني”، وبذلك جرى الانتقال من:
التمثيل السياسي النسبي إلى:
الادعاء الرمزي بتمثيل المجال المدني كله.وهذه نقلة شديدة الخطورة.لأنها تُخرج الخصم السياسي من دائرة المنافسة الطبيعية، وتضعه ضمنيًا في خانة مناقضة “للمدنية” نفسها.
فتصبح المعادلة الذهنية لدى الجمهور:
هذا مدني
وذاك ضد المدنيين
بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا بكثير.
الأزمة ليست بين المدني والعسكري فقط، أحد أكبر الأخطاء المفاهيمية في الخطاب السوداني الحديث هو اختزال المشهد الوطني في ثنائية:
عسكري
ومدني
وكأن السودان لا يحتوي إلا على هذين الفاعلين.بينما الواقع السوداني أعقد تركيبًا:
هناك مجتمع واسع بتعقيداته
وهناك أحزاب
وهناك قبائل وإدارات أهلية
وهناك نقابات ومهنيون
وهناك حركات مسلحة
وهناك بيروقراطية دولة
وهناك مصالح اقتصادية
وهناك تأثيرات إقليمية ودولية
لكن الخطاب التعبوي دائمًا يميل إلى التبسيط، لأن البسيط أكثر قدرة على الحشد.غير أن ما يصلح للهتاف لا يصلح لبناء الدول.
*المجتمع المدني ليس ذراعًا* *حزبية*
المشكلة الأكبر أن اختطاف مفهوم “المدنية” أدى تدريجيًا إلى تسييس المجتمع المدني نفسه.فبدل أن يكون المجتمع المدني:
مساحة مستقلة عن الاستقطاب
وجسرًا بين الدولة والمجتمع
وأداة لحماية التوازن الوطني
أصبح في أحيان كثيرة جزءًا من معارك السلطة.وهذا أفقد كثيرًا من المؤسسات المجتمعية حيادها الرمزي ووظيفتها الوطنية.
فالمنظمة التي تتحول إلى منصة حزبية… تفقد قدرتها على تمثيل المجتمع كله.
والنقابة التي تتحول إلى ذراع أيديولوجية… تفقد تدريجيًا بعدها المهني.
والمؤسسة المدنية التي تدخل الاستقطاب الحاد تخسر قدرتها على لعب دور الوسيط الوطني.
*جذور الأزمة السودانية* *أعمق من السياسة*
السودان لا يعيش فقط أزمة سلطة… بل يعيش أزمة تعريفات… أزمة في فهم:
الدولة
السياسة
المجتمع
الوطنية
الشرعية
المدنية
وحتى معنى الشعب نفسه
ولذلك ظلت القوى السياسية السودانية ـ على اختلاف اتجاهاتها ـ تدخل في صراعات كبرى دون اتفاق حتى على المفاهيم الأساسية التي تدير بها هذا الصراع.
وهنا تصبح اللغة نفسها ساحة معركة.
لأن من يملك تعريف المصطلحات… يملك في كثير من الأحيان القدرة على توجيه الوعي العام.
*نحو إعادة تأسيس اللغة* *السياسية السودانية*
ربما تكون إحدى أهم خطوات إعادة بناء الدولة السودانية هي إعادة بناء القاموس السياسي السوداني نفسه.
أي إعادة ضبط المفاهيم بحيث يصبح هناك تمييز واضح بين:
المدني والسياسي
المجتمع والدولة
الجيش والسلطة
المعارضة والخيانة
الوطنية والحزبية
والمصلحة الوطنية والمصلحة الأيديولوجية
لأن الدولة لا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات… بل تُبنى أيضًا باللغة التي يفكر بها الناس حول تلك المؤسسات.
وحين تختلط المفاهيم… تختلط الأولويات.
وحين تتحول الكلمات إلى أدوات تعبئة بدل أن تكون أدوات فهم… يضيع المجتمع داخل ضجيج الشعارات.
ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية قد لا تكون فقط معركة سلطة… بل معركة وعي أيضًا.
ومعركة الوعي تبدأ دائمًا: من تحرير المعاني قبل تحرير المواقع.











إرسال تعليق