فطاحله الزمان …موقف

  • بتاريخ : 8 مايو، 2026 - 8:38 م
  • الزيارات : 27
  • بقلم / يسرية محمد الحسن

    “إعلامية- مذيعة سابقة بتلفزيون السودان”
    الاذاعه السودانيه جلس علي مقعد ادارتها فطاحله اعلاميي البلد .بيد اننا عاصرنا اشهرهم واعظمهم واكثرهم فنا وابداعا وواداره.
    كان ذلك في احد الايام من العام 1985 وزميلي المخرج المفن صلاح الدين التوم نجري عمليه المونتاج الاخيره لبرنامجنا (( وسجي الليل )) لاندري كم من الزمن بقينا داخل استوديو (( خليل فرح )) .عزيزي القارئي لك ان تعرف ان الزمن داخل اروقه هنا ام درمان في ذياك الزمان الباهي ونضر غير محسوب لمنسوبيها من الاذاعيين والمخرجين والبرامجيين. وحتي مديريها فهؤلاء الصفوه من القوم يدخلون الصرح المقدس منذ السابعه والنصف صباحا. ولا يدري احدهم متي يغادر الي الديار! وقد تكون في احايين كثيره الاستوديوهات غرف نوم البعض ليلا ليستيقظوا الرابعه صباحا وبعد الصلاه يبدأ الواحد منهم عملا اوكل اليه في هذه الساعات الاولي من الصباح .وبخاصه فنيي التسجيلات ومحرري نشرات الاخبار الصباحيه دخلنا استوديو (( خليل فرح )) وكميه اوراق البرنامج بايدينا ومعنا الفني طيب الذكر شيخ الفنيين المبدع والفنان الاستاذ عباس محمود ياسلااااام عليهما الاثنين. صلاح وعباس وكانما يقودان جوقه موسيقيه عالميه ! اي والله ! تناغم وابداع منقطع النظير خد وهات )) بينهما تماما كلاعبيي كره سله مهره يعدوان بالكره من هنا وهناك حتي السله فيقذفانها عااااليه هناااك لتستقر في الشباك .تنظر الي وجهيهما. صمت تااااام ونظرات التفوق تسبق الابتسامات اجلس بينهما اراقب ولا اجد اي داع لاتدخل في اي فقره فالابهار ياخذ بتلابيبي تماما وروعه الاداء تشدني لاسرح بعقلي بعيدا حيث مجريات احداث المسلسل السوداني الاشهر خطوبه سهير لكاتبه البديع حمدنا الله عبد القادر واصابع الفنان الكبير صلاح الدين الفاضل ارصد اخراجا لقطعه ادبيه فنيه اجتماعيه رااائعه ومثيره ! تماما. تماما. يفعل. تلميذه الان صلاح الدين التوم اخراجا عجيبا ومتفردا لبرنامجنا الاشهر (( وسجي الليل )). دقات ساعه بك بن الشهيره علي شعار البرنامج. تعلن نهايه الحلقه ونهايه عمليه المونتاج. (( الطويله ورااااائعه )) . ترتفع الاكف بين صلاح وعباس وهي تضرب ببعضها اشاره الي الرضا التام عن التسجيل وانتهاء المونتاج بسلام . مازالت الابتسامات هنا وهناك بين ثلاثتنا هذه المره عنوانا. للرضا التااام ودعنا محمود وصعدنا الدرج الي الاعلي حيث مكتب المخرجين ليودع صلاح المؤثرات الصوتيه خاصته في مكانها .لم ننظر الي الساعه كم الوقت وفجأه انتبهنا انها الثانيه عشره ليلا !! يا الهيي !! ماذا سنفعل الان ؟ كيف نصل الي منازلنا؟ بعد هذا الوقت المتأخر من الليل ؟؟ وكيف اصلا نصل وقد كانت هناك ضائقه وندره كبيره في المواد البتروليه بالبلد والاستاذ (( الفخيم )) محمود ابو العزايم كان قد اصدر توجيها لاداره الترحيلات بالاذاعه الا يرحل اي موظف الا ب( ورقه منه ) ذلك ضبطا وترشيدا للاستهلاك وبخاصه وان الاذاعه السودانيه مرفق هام جدا مثله والقوات النظاميه في صون وحده التراب والنسيج الاجتماعي . نظرت الي رفيقي وكلي حسره والم كوننا لم نستاذن من الاستاذ ابو العزايم لعمل المونتاج اذن نحن الاثنان غير موجود اسمينا في كشف المدير للاخ مدير الترحيلات! ما العمل ؟ قلتها وانا اكاد ابكي. فالوقت يمر والساعات الاولي من صباح اليوم التالي تقترب بسرعه. ومنزلي هناااااك بعيد في ضاحيه الرياض بالخرطوم حيث اقطن مع شقيقتي وصلاح التوم يسكن الثوره ام درمان . (( وقتها. ايها الساده. كنا في العتبات الاولي بالاذاعه السودانيه عمر الزهور )) نظرت اليه قال لي تعالي بنحلها .دخلنا مره ثانيه الي مكتب المخرجين صلاح التوم يخرج ورقه بيضاء من درج المكتب ويكتب عليها / الاخ مدير الترحيلات ارجو ترحيل المذكورين ادناه كل الي منزله
    صلاح التوم الثوره
    يسريه محمد الحسن الرياض
    وكفنان تشكيلي متمرس. وضع امضاء الاستاذ محمود ابو العزايم. كماهو !! اسفل الصفحه . يلا بينا
    وقفنا امام عمنا ………… مدير الترحيلات مادا اليه صلاح بالوريقه عمنا كبير اخذالوريقه من يد صلاح بعد ان امرنا بالجلوس حتي يجد (( عربيه )) لتقلنا الي وجهتينا وهو يبعد عنا مشيا ويتمتم بصوت عال ابو العزايم ده راه يجننا. يقول ماتودوش حد. ويجيب لنا في الناس والاوراق. !! واختفي. ليعود بعد قليل وقد اوجد الراحله .لك ان تعلم عزيزي القارئ ان الاستاذ الكبير محمود ابو العزايم كان وقتها مازال يجلس علي مكتبه بالطابق العلوي بالاذاعه(( خفنا. انا وصلاح نمشي ليهوو بدايه )) فقد.كان صارما جدا في اوامره يدير الاذاعه كالساعه تماما في اصعب الظروف واحلك المواقف .بتنا ليلتنا متخمين بالابداع والفن الجميل .عند الصباح ونحن جلوسا علي مكتبينا اذا بالساعي. خميس ينتهرنا بصوت عال. انت وهو. قوموا يلا ابو الازايم دايركم في المكتب ! تفتكر دايرنا ليه ياصلاح والله علمي علمك
    صباح الخير استاذ محمود يؤشر هو علي كومه اوراق امامه لم يرد التحيه ولم يرفع راسه ! مضت ثوني. اقعدوا انتو الاتنين واقفين كده !! انتصب واقفا وانسل من خلف مكتبه باتجاهنا ونحن جلوسا علي المقعدين . انا. يامحمود. اتاريني شغال مع لصوص !! حراميه. !! مزوراتيه كبار !! وانا. الكنت فاكر نفسي حرصت تماما. ان اختار انزهه الناس بعد الكفاءه والمواهب اكثر الناس امانه وشرفا ! كيف مايكون ذلك ونحن بنربي اجيال ! اجيال بنربيها علي الشرف والامانه والنزاهه وحب الوطن وكيف يكونوا. اجيال صالحه عشان تقود البلد دي بعدنا وهم مسلحين بالقيم النبيله والمعاني العظيمه ليورثوا الاجيال البعدهم هذه القيم العظيمه لينهض السودان العظيم ونكون امه عظيمه تقتدي بينا باقي الامم تجوا انتو الاتنين تهدوا لي الببني فيهو لي سنوات ؟ انتو مش حتنفعوا يادوووب ليكم تلاته او اربع سنين وبديتوها بالغش والتزوير؟؟ . ضغط علي زر الجرس اتي خميس مهرولا ونحن مطأطأي الراسين. امشي نادي لي مدير الحسابات .اسمع يا ……….. هاك الورقه دي فيها خصم مرتب الشهر القادم كاملا من صلاح الدين التوم ويسريه محمد الحسن . حاضر يا استاذ ! وانقضي الشهر وتسلم كل الزملاء مرتباتهم وهم فرحون وشخصي وصلاح لنا ديون عن ادروب سيد المطعم لم نسدد له .ده كلووو منك انت ياصلاح. يعني كنتي عاوزاني اعمل شنو. ونحن اصلا ما كلمنا الاستاذ بالمونتاج يعني كنتي عاوزاني اقوليك مافي طريقه. امشي بيتي في مكتب المنوعات ؟ انا اتصرفت عشانك والله ! اليوم اول الشهر فجاه خميس امامنا. وبرضو ينتهرنا. انتو الاتنين امشو مكتب ابو العزايم دايركم ! لاحول ولا قوه الا بالله. مالو ابو العزايم ده داير يكرهنا الاذاعه دي قلتها واكد عليها صلاح قائلا عارفه لو حيدينا محاضره تاني زي ديك. ارح نمشي بيوتنا طوالي ونخليها الاذاعه دي . صباح الخير يا استاذ. (( المره دي رد التحيه )) صباح النور اقعدوا. قعدنا ! شوفو يا ابنائي العملتوهو ده. شئ لا يغتفر ابدا بحسب انكما تمثلان بالضبط اساتذه المدارس. انتو بتعلموا الناس الناس بتتعلم منكم لازم تكونوا قدوه يقتدي بيكم جمهور الاذاعه قبال الزول العادي الماشي في الشارع. الاذاعه دي مدرسه وجامعه بتعلم وتخرج قاده المجتمع عشان كده نحن ماابنقبل اي زول بالهين الا نستقصي منو كويس. بالضبط زي المتقدمين لوظائف وزاره الخارجيه وامن الدوله وانتو اولاد ناس لذا قبلناكم .ارجو يكون ليكم ده درس نهاائي وتاني ماترجعوا لفعل مماثل ابدا واظنكم كذلك والا ما ارسلت اناديكم
    صمت رهيب لم نفتح افواهنا بكلمه فاذا بالاستاذ بعد ان انهي المحاضره القيمه علي مسامعنا يقف ومن جيب بنطاله الخلفي يخرج حافظه نقوده طبعا زملاؤكم صرفوا رواتبهم وانتم لا .. نعم صلاح انت مرتبك كم ؟ 17 جنيه يا استاذ عد ابو العزايم المبلغ من حافظه نقوده واعطاه لصلاح ده مرتبك …. شكرا يا استاذ. انتي مرتبك كم. 17 جنيه ! خدي. ده مرتبك الاتخصم منك. مادايراهوو ! امسكي يابنتي. ماعاوزه. دي قروشك انت. انا مش زي ابوكي ؟؟ .
    هذا هو استاذ الاساتيذ الفخيم الاداري الحازق والصارم والانسان الرقيق العطوف محمود ابو العزايم المدير الاسبق للاذاعه السودانيه بكل هيبته وجبروته وقوه باسه وعظمته وانسانيته التي لا تحدها حدود. المعلم الخالد ابدا فينا الرائع بكل ماتحمل الكلمه فقد خرج اجيالا واجيالا سلكوا دربه مسلحين بافكاره ومبادئه لذا. بقيت كما اراد لها. هنا. ام درمان. اذاعه جمهوريه السودان.