بقلم / المستشار القانوني د. عبدالله أحمد عبدالله
قصدت من عنوان المقال القول أن مجتمعنا لم يكن في يومٍ معافى، بل كان يعيش تعافياً ظاهرياً أزاحت عنه الحرب الغطاء فظهر على حقيقته تنافراً وتباغضاً وكرهاً وحقداً.
التنافس على السلطة وارد سواء بالطرق السلمية أو بالحرب، إلا أن الحرب الدائرة لم تكن تنافسياً سياسياً بحتاً، بل كانت تصفية حسابات بين فئات الشعب.
لو كانت الحرب الدائرة من أجل كراسي الحكم لاقتصر الصراع على الجانب العسكري ولما تضررت البنية التحتية ولا الأعيان المدنية ولا أملاك الشعب إلا في حدود ما يحدث عرضاً بسبب العمليات الحربية.
عندما احتل الجنجويد الخرطوم لم يطردوا منها الجيش بل طردوا المواطنين المسالمين من بيوتهم واستولوا عليها ونقلوا ما أمكنهم نقله من منقولات إلى ديارهم، ثم أتاحوا لسكان الأحياء الفقيرة المحيطة بالخرطوم نهب ما تبقى أو تخريبه، وهذا الأمر لم يقتصر على الخرطوم وحدها بل شمل كل المناطق التي وقعت تحت قبضة الجنجويد حيث نهب الجيران جيرانهم الذين نزحوا خوفاً من ويلات الحرب، ولم يراعوا حرمة الجوار ولا العشرة.
كثير من المواطنين الذي اعتدوا على ممتلكات النازحين بالنهب والتخريب قد لا تكون لديهم نزعة إجرامية، ولم يسبق لهم ممارسة السرقة والنهب، وهذا ما جعل الناس تتساءل عن سبب هذا الحقد والرغبة في الانتقام والتشفي على أشخاص لا تربطهم بهم صلة ولم يسبق أن احتكوا بهم، بل حتى على أشخاص كانت تربطهم بهم صلات تبدو قوية وجيرة وعشرة.
قد يقول قائل أن العنصرية التي تمارس من قبل البعض بدرجات متفاوتة ولّدت لدى الأطراف الذين تمارس عليهم حقداً وعقدة نقص وإحساس بالدونية، وهناك من يقول أن السبب هو الفوارق الطبقية والتفاوت المجتمعي، لكن هل يعتبر ذلك مبرراً كافياً للاعتداء على أناس أبرياء شرفاء جمعوا ثروتهم بعرق جبينهم لم يمارسوا العنصري ولا يد لهم في الفوارق الطبقية والمجتمعية؟
فقد الأرواح والخراب والدمار ونهب الممتلكات الذي وقع على عامة الشعب في المناطق التي وقعت فيها الحرب أوجد لدى المعتدى عليهم إحساس بالظلم وزاد من حدة التباغض الاجتماعي بين فئات المجتمع.
الحرب سوف تنتهي بإذن الله طال الزمن أم قصر، وهنا تأتي المهمة الأصعب وهي بناء مجتمع معافى لنضمن عدم تكرار هذه التجربة القاسية حتى لو اختلف السياسيون وتحاربوا فيما بينهم.
نطرح هذا الموضوع المهم للنقاش العام لإيجاد حلول تساعد في الخروج من هذا الوضع المأزوم وبناء مجتمع معافى.
من وجهة نظري البداية يجب أن تكون جبر الضرر الذي وقع على المعتدى عليهم من خلال تطبيق مبدأ العدالة الانتقالية، وتقع مسؤولية ذلك على عاتق الحكومة.
الخطوة التالية هي التنمية المتوازنة وتوزيع الثروة بصورة عادلة على جميع أقاليم السودان، وهذا أيضاً من واجب الحكومة.
يلي ذلك محاولة علاج الأمراض المجتمعية مثل العنصرية والتمايز الطبقي ويكون ذلك بالتوعية والتصافي ويجب أن يشترك في تحقيق هذا الهدف النبيل كافة أفراد المجتمع بدءً بعلماء النفس والاجتماع والمثقفين والإدارة الأهلية وكل من يجد في نفسه الكفاءة من أفراد المجتمع.
نريد صياغة المجتمع على أسس جديدة تنبذ القبلية والجهوية وتعيد الثقة بين فئات المجتمع.
د. عبدالله أحمد عبدالله










إرسال تعليق