الدكتور عبد اللطيف البوني يكتب :الليلة يستقبلني أهلي

  • بتاريخ : 4 مايو، 2026 - 6:29 ص
  • الزيارات : 46
  • (1)

    هبطت أرض مطار الخرطوم عند التاسعة صباح الجمعة أول مايو الجاري ، وكنت قد أقلعت من القاهرة عند الرابعة صباحا إلى بورتسودان ومنها بعد ساعة الخرطوم ..رحلة طويلة ولكن تاركو كانت في غاية الانضباط وطيب المعاملة …ولعل المفارقة كانت عندما غادرت بورتسودان الي جدة قبل حوالى خمسة عشر شهراً وبذات طيران تاركو ..كان قائد الطائرة الكابتن أشرف فاروق … واليوم وانا أغادر

    بورتسودان الي الخرطوم فإذا بي أسمع بأن الكابتن هو أشرف فاروق فاصررت على السلام عليه… وجلست الي جانبه ومساعده بدوي أبوبكر في كابينة القيادة… وقلت له زي ما طلعتني من البلد قبل أكثر من عام … اذا بك ترجعني… فنحن كدا حبابيب…وذكرته بأغنية من بف نفسك يا القطار (انت شلتو جيبو يا القطار).

    في المطار استقبلني أخي معاوية وإبني أشرف فطلبت منهما أن نعاين الخرطوم قليلاً قبل التوجّه للجزيرة فاستقر الرأى ان نذهب إلى الحلفاية مربع 12… حيث لدى بناية هناك ..فعبرناكبري الحديد الى بحري ثم شارع الإنقاذ إلى هناك …حركة العربات قليلة …المارة قليلون. . …الدمار والخراب فوق الوصف ..أقل ما توصف به المدينة انها (مكشرة) فالغطاء الشجري أزيل تماماً…العمارات بقليل من

    الجهد يمكن أن ترجع كما كانت…. ولكن هناك أشجار تحسب أعمارها بالعشرات من السنين ..فكيف يمكن تعويضها؟…آخر مرة رأيت فيها الخرطوم كانت في 13 أبريل 2023 …وآخر مرة رأيت فيها كطار الخرطوم كانت في عام 2017 …فأنا لست من محبي الأسفار …
    وهناك شي يمكن أن يقال في هذه التواريخ سنعود اليه لاحقا أن شاء إن شاء الله …

    ( 2 )
    في طريق الخرطوم /مدني مازالت صفافير ناس الحركة موجودة َبكثرة … بعضها إيصالات… معظمها بدون (وأنا مابفسر وإنت ما تقصر) هذا من المناظر المستقبحة قبل الحرب فما بالك بها بعد الحرب ؟

    دخلت قريتنا مع صلاة الجمعة فتوجّهت إلى المسجد العتيق مباشرة وبعد الصلاة رفعت الفاتحة في الأموات وما أكثرهم ..ثم شرعت في مصافحة المصلين فكانت الأحضان دافئة …العناق حاراً… والدموع طافرة … ديل أهلي …ولو ما كنت من زي ديل واسفاي واماساتي واذلي …ديل أهلي … تذكّرت محمد عبد الحي في العودة إلى سنار …. . .. .

    الليلة يستقبلني أهلي
    أرواح أجدادي تخرج من
    فضة أحلام النهر ومن
    ليل الأسماء
    تتقمص أجساد الأطفال
    تنفخ في رئة المداح
    لتضرب بالساعد
    عبر ذراع الأطفال
    الليلة يستقبلني أهلي

    (3)
    أمضيت بقية سحابة اليوم في تطواف على المعازي والمرضى وعند المساء في فناء الدار حيث جلسنا على سرائر الحديد بعضها مفتول…. وليس هناك كراسي فقلت لهم اليوم فقط شعرت بقوة الشفشفة التي حدثت لنا في نوفمبر 2024… ومع شاى المغربية الذي كان بدون لبن تحدّثنا بحسرة عن خسارتنا في الثروة الحيوانية التي أبادها الدعامة … ففي قريتنا بدأ تحسين الماشية قبل حوالى ستين عاما يوم أن أحضر أحد أعمامنا ( تور جاموسي)

    للقيام بالواجب تجاه أبقاره البلدية… فيما بعد أحضر أحدهم ابقار كنانة وهي أجود البقر المحلي. مع ثيران مهجنة وظلت هذه العمليات إلى أن وصلنا مرحلة التلقيح الصناعي . …فتصاعد إنتاج اللبن من ستة أرطال للبقرة في اليوم إلى حوالي الخمسين رطلاً في اليوم ..وتطور الوزن ..من 150 كيلو إلى ما يقارب الخمسمائة كيلو … وقد حدث هذا في كل الجزيرة حيث اختفت البقيرات الحمراوات الصغيرات وحلت محلها الأبقار السوداء والبرقاء والآن ذهب معظمها إلى غير رجعة .

    (4)
    كل الخراب يمكن أن يعوض …العمارات يمكن أن ترقع وتصان ويمكن أن ينعاد بنائها ..العربات يمكن أن تشترى جديدة لنج ناهيك عن الكراسي وعدة الطعام …كل هذا في وقت وجيز ولكن تعويض الأشجار والأبقار يحتاج إلى نصف قرن من الزمان على الاقل هذا إذا أوتينا كل كنوز الدنيا .. لكي نصل مرحلة ما قبل الدعامة ..وهنا ينهض أمل دنقل

    إنها أشياء لا تشترى
    ذكريات الطفولة بين أخيك
    وبينك
    حسُّكما فجأةً بالرجولةِ
    …. … …. …
    هل يصيرون دمي بين عينيك ماء
    أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
    تلبس فوق دمائي ثياباً مطرَّزَةً بالقصب؟
    إنها الحربُ!
    قد تثقل القلبَ..
    نواصل إن شاء الله.

    مقالات ذات صلة

    خطة متكاملة لمعالجة مشكلة تلف وضياع الأمتعة في المطارات السودانية
    يونيو 2, 2026

    خطة متكاملة لمعالجة مشكلة تلف وضياع الأمتعة في المطارات السودانية

    بقلم/ د. سعاد فقيري رؤية لتطوير خدمات النقل الجوي وحماية حقوق المسافرين. تُعد مشكلة ضياع الأمتعة أو تلفها من أكثر المشكلات التي تؤثر على سمعة المطارات وشركات الطيران، وتنعكس بصورة مباشرة على رضا المسافرين وثقتهم في منظومة النقل الجوي. وفي ظل توجه السودان نحو إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية وتهيئة المطارات لاستقبال حركة السفر المتزايدة، […]

    أربعة دقائق لخّصت كيف تُدار الحكومة
    يونيو 2, 2026

    أربعة دقائق لخّصت كيف تُدار الحكومة

    بقلم/صبري محمد علي (العيكورة) معقول يا جماعة … أن يقف رئيس مجلس الوزراء مُمسِّكاً بوريقة يقرأ منها توجيهاته أثناء زيارة له لمطار بورتسودان ! معقول يا جماعة …. يأتي التوجية على الهواء الطلق بعيداً عن المؤسسية والقنوات التي يُفترض أن تُخاطب الجمارك والجوازات بأن عليهم زيادة العدد !!.. يا جماعة دي دولة ! فأين الآليات […]

    مبروك التحدي… حين تصنع العزيمة طريقها إلى المجد
    يونيو 2, 2026

    مبروك التحدي… حين تصنع العزيمة طريقها إلى المجد

    بقلم / الطيب مضوي شيقوق على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ وتعظمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ هكذا علّمنا المتنبي أن الإنجازات العظيمة لا يصنعها إلا أصحاب العزائم الكبيرة. وعندما نحتفي اليوم بانتصار فريق التحدي، فإننا لا نحتفي بنتيجة مباراة فحسب، وإنما نحتفي بقصة من قصص […]

    السودان وعلل الفشل في بناء الدولة(6)
    يونيو 2, 2026

    السودان وعلل الفشل في بناء الدولة(6)

    بقلم / م. مامون محمد الطيب عمر الحلقة السادسة المزيج المتنوع من التركيب الطبيعي للمناخ و الطبوغرافية تماهت معه البنية الإجتماعية للسكان بتسلسلها الهرمي من القبيلة والعشائر تحت مظلتها ثم العوائل أو خشوم البيوت و الحيشان و الأسر الأصغر والأفراد .. فالمساحات الواسعة المتاحة وقلة عدد السكان إحتاجات لهذا الترتيب الإجتماعي لإستثمارها رعيا وزراعة وحفظ […]

    إرسال تعليق

    • التعليقات التي تقوم بإرسالها سيتم نشرها بعد موافقة فريق الإدارة.
    • الرسائل التي تحتوي على افتراء أو اتهام لن يتم نشرها.
    • الرسائل التي تكون بغير اللغة العربية أو غير مرتبطة بالموضوع لن يتم نشرها.