النرجسية… حين يصبح “الأنا أكبر من الإنسان

  • بتاريخ : 2 مايو، 2026 - 5:53 م
  • الزيارات : 37
  • بقلم / نجلاء كرار

    في العلاقات الإنسانية، نلتقي بأنماط مختلفة من الشخصيات؛ منها ما يمنحنا الأمان، ومنها ما يرهق أرواحنا دون أن نفهم السبب فورًا. ومن أكثر هذه الأنماط تعقيدًا ما يُعرف بالنرجسية، أو ما يرتبط بما يسميه علم النفس بـ اضطراب الشخصية النرجسية.

    لكن من المهم أن نفهم منذ البداية أن النرجسية ليست مجرد “حب للذات”، وليست وصفًا سريعًا نطلقه على كل من يختلف معنا أو يؤذينا، بل هي نمط أعمق من التفكير والسلوك، يتداخل فيه الشعور المبالغ فيه بالذات مع صعوبة رؤية الآخر كما هو.

    ما هي النرجسية في جوهرها؟

    في عمقها، النرجسية ليست قوة كما قد تبدو من الخارج، بل هي غالبًا بناء هشّ يحتاج باستمرار إلى دعم خارجي. الشخص النرجسي قد يظهر واثقًا، متفوقًا، ومسيطرًا، لكنه في داخله قد يحمل خوفًا عميقًا من النقص أو الرفض أو عدم القيمة.

    ولهذا، يسعى باستمرار إلى:

    لفت الانتباه

    الحصول على الإعجاب

    إثبات التفوق

    وتأكيد أهميته في حياة الآخرين

    لكن هذه الحاجة المستمرة لا تُشبع، لأنها لا تعالج الجذر الحقيقي للشعور الداخلي.

    كيف يظهر ذلك في العلاقات؟

    في العلاقات القريبة، سواء كانت عائلية أو عاطفية أو اجتماعية، قد تظهر بعض السمات مثل:

    ضعف التعاطف مع مشاعر الآخرين

    الميل إلى السيطرة أو فرض الرأي

    صعوبة الاعتراف بالخطأ

    حساسية مفرطة تجاه النقد

    استخدام الآخرين بشكل غير مباشر لتحقيق الأهداف

    وهنا يحدث الألم الحقيقي للطرف الآخر، لأنه غالبًا ما يشعر بأنه غير مرئي، أو غير مسموع، أو أن مشاعره غير مهمة.

    لماذا من المهم أن نفهم هذا النمط؟

    الفهم لا يعني التبرير، ولا يعني القبول بالأذى، لكنه يعني الوعي.
    فحين نفهم طبيعة هذا السلوك، نستطيع:

    حماية أنفسنا نفسيًا

    وضع حدود صحية في العلاقات

    التوقف عن لوم الذات في كل مرة يحدث فيها خلل

    ورؤية الصورة بوضوح بعيدًا عن التشويش العاطفي

    هل النرجسي “شخص سيئ”؟

    الاختزال الأخلاقي هنا قد يكون مضللًا. فالكثير من الدراسات النفسية تشير إلى أن هذا النمط غالبًا ما يتشكل عبر تجارب معقدة، وليس قرارًا واعيًا بأن يكون الشخص مؤذيًا. لكن في الوقت نفسه، الفهم لا يلغي حقيقة الأذى الذي قد يحدث للآخرين في العلاقة معه.

    الفرق المهم هنا هو بين:

    الفهم النفسي للسلوك

    وقبول السلوك المؤذي

    وهما ليسا الشيء نفسه.

    الخاتمة: الوعي هو البداية

    في النهاية، التعامل مع هذا النوع من الشخصيات يبدأ من الوعي. ليس الهدف هو تصنيف الناس، بل فهم ديناميكيات العلاقات حتى لا نفقد أنفسنا داخلها.

    فبعض العلاقات لا تحتاج إلى صراع طويل بقدر ما تحتاج إلى وعي مبكر، وحدود واضحة، وقدرة على قول:
    “هنا تنتهي مساحة الأذى، وتبدأ مساحتي أنا.”

    لأن الإنسان، في النهاية، لا يُقاس بمدى إعجابه بنفسه…
    بل بقدرته على رؤية الآخرين كبشر كاملين، لهم مشاعر وكرامة ووجود يستحق الاحترام.
    نجلاء كرار