بقلم / زين العابدين صالح عبد الرحمن
“خبير إعلامي – باحث في الشأن السياسي”
معروف أن الإنتماء لحزب سياسي، يبدأ بالإيمان بفكرة تتجسد في المشرع السياسي المطروح من قبل الحزب، و هذه الفكرة لتحقيقها تتطلب عمل جماعي في الحزب، و كسب قطاع واسع من المجتمع لكي يعاضد الفكرة و يعمل من اجل تحقيقها في الواقع.. و بالتالي كل تغييرات تطرأ على الفكرة يجب أن يكون الجميع بإلمام بها بل مشاركين فيها من خلال الحوارات داخل الحزب و خارج الحزب مع الجماهير التي يركز عليها الحزب، حتى تصبح عملية الوعي منتشرة بين الجميع.. و العضو الذي يريد أن يغادر الحزب بهدوء يقدم استقالته من الحزب بعد ما يوضح الأسباب التي جعلته يتخذ هذا القرار. و إذا يريد أن ينشر استقالته يجب عليه أيضا أن يطلع الآخرين على ماهية الأسباب التي قادت لذلك، و موقف الحزب منها..
أدب الاستقالات من الأحزاب السياسية السودانية ليس منتشرا بشكل كبير في الحقل السياسي السوداني، إلا ما ندر، ربما يكون السبب لضعف الثقافة الديمقراطية في السودان، و أيضا لضعف الممارسة الديمقراطية في المؤسسات الحزبية.. اليو وصلتني استقالة عضو حزب المؤتمر السوداني حنان حسن من العديد من الأصدقاء عبر صفحتي في ” الفيسبك” و قرأت الاستقالة ابحث فيها عن السبب أو الأسباب الي أدت للإستقالة، و لكن للأسف لم أجد سببا واحدا يدعوها للإستقالة، حنان مالت في كتابتها للمحسنات البديعية بنوعيها ، من تورية و جناس طباق و سجع و الإزدواج و المقابلة و غيرها.. دون أن تشير للدوافع الرئيسة للإستقالة. رغم إنها محامية و تعرف كي ترتب حيثيات القضايا لكي تكون مقنعة للقضاء.. و لكنها في الاستقالة مالات لمحسنات الشعر و النثر، مما يدل أنها تريد أن تذهب دون يشكل ذهابها حلقة للنقد لشخصيتها أو لرؤيتها، كما أن مقالها يؤكد أنها ربما تذهب إلي اتجاه سياسي أخر.. و لكنها تريد أن تحتفظ بذات العلاقات القديمة…
إذا قارنا هذه الاستقالة، بإستقالات أخرى لسياسيين في ظروف سياسية مغايرة، نجد الأختلاف باين في عمق التجربة السياسية، و الفهم العميقة لإبعاد الإستقالة، لأنها تشكل أرضية ثقافية لأدب النقد السياسي، سوف اتعرض بإجاز لخمس استقالات في التاريخ السياسي السوداني من الأهمية بمكان.. الأولي صدرت عن محمد توفيق أحمد عند دمج الحزب الوطني الاتحادي و الشعب الديمقراطي في 1967م و كان نائبا برلمانيا كتب في استقالته أنه يضطر على الاستقالة لآن اندماج الحزبين يعني عودة الطائفة للحزب و بكل تراكماتها الثقافية التي تعيق عملية الديمقراطية في الحزب و أيضا سوف تكون منقصة و ليست إضافة للمؤمنين بعملية التحول الديمقراطي في البلاد.. الثانية استقالة الدكتور عبد الله علي إبراهيم، لكن عبد الله انتقد الحزب في كل المقالات التي كتبها عن عبد الخالق محجوب الذي يعتبره الأب الروحي.. و لذلك استخدم عبد الله في فلسفة الكتابة “التورية” هو يكتب عن عبد الخالق في ممارسته الديمقراطية مع أعضاء الحزب، و حل مشاكلهم و الاعتناء بقدراتهم، و هو يقصد المقارنة مع الأخرين الذين لا يمتلكون قدرات عبد الخالق محجوب..
في محطة أخرى أصدر الخاتم عدلان رؤيته للحزب و للماركسية بعد سقوط حائط برلين و تفكك الاتحاد السوفيتي، و انتقد ضيق المواعين الديمقراطية داخل الحزب، و انتقد ” المركزية الديمقراطية” أن انتقادات الخاتم كتبها في درسة نقدية بعنوان ” أن أوان التغيير” و كنت أقمت حوارا بين الخاتم عدلان و الدكتور الشفيع خضر في منتصف تسعينيات القرن الماضي في ” المركز السوداني للثقافة و الإعلام” بالقاهرة باعتبار أن الأثنين كانا يحملان رؤية التغيير لكن الخاتم خرج من الحزب و قال أن القيادة في الحزب لن تسمح بمرور التغييرفي الحزب.. و كانت رؤية الشفيع النضال من داخل الحزب بهدف التغيير لكن القيادة لم تتحمل سماع أراء جديدة لذلك طردته من الحزب حتى لا يؤثر على بقية العضوية..
في الحركة الإسلامية أصحاب الرؤية الناقد يتمسكون بالمرجعية الفكرية و لكنهم يغادرون مقاعد الحزب، تصبح علاقتهم بالحركة الإسلامية فقط من خلال كتاباتهم حيث كتب التجاني مقاله المشهور ب ” تحالف القبيلة و السق و الأمن” نقد فيه الإنقاذ و لكن حديث الأكثر نقدا كان في اللقاء الذي أجراه معه الدكتور الجيلي على البشير في قناة الشروق في برنامج “الجدوى العلمية للأسلمة و التأصيل” عام 2013م، بين فيه لماذا انتمى للحركة الإسلامية و لماذا غادر مقاعد التنظيم بعد ما استلمت الحكم.. و أيضا الدكتور حسن مكي لم يغادر المرجعية الفكرية لكنه كان ناقد للنظام السياسي للحركة و كان بعيدا عن الممارسة الحزبية الأمر الذي جعله بعيدا من حساسية الصدام المباشر..
نرجع للأستاذ حنان حسن، هي لم تكتف برسالة الاستقالة إلي الحزب، و لكنها أرسلتها خارج الحزب بهدف الإطلاع عليها، و بأنها لم تعد تنتمي لحزب المؤتمر السوداني، و عندها الخيار في أختيار مؤسسة أخرى التي تريد الانتماء اليها، دون أن تفصح عن ذلك، السؤال؛ الأستقالة التي لا تريد أن تبين فيها الحيثيات بصورة واضحة لماذا نشرتها في الوسائط الإعلامية؟ .. دائما الاستقالات التي تكتب فيها نقد أو خلافات في الرؤى، أو تقديم أسئلة تتعلق بخط الحزب السياسي و البرنامج يطرحه مؤخر مفيد للحزب باعتبار يبين له نقاط الخلاف و الأسباب التي أدت إلي الاستقالة بهدف التصحيح مستقبلا.. لكن الاستقالة نفسها تبين فهم المرء الذي قدمها للعملية السياسية و حدود ثقافته السياسية، و كيفية التعامل مع القضايا الخلافية.. أن أدب الاستقالة نفسه يعتبر مدرسة في العمل السياسي و طريقة للنقد المدون و المكشوف للعامة.. نسأل الله حسن البصيرة..











إرسال تعليق