الجزرة والعصا الأمريكية..من البشير إلى البرهان، من كان الأضعف أمام الإبتزاز الأمريكي

  • بتاريخ : 17 أكتوبر، 2026 - 5:24 م
  • الزيارات : 45
  • تحليل / أحمد يوسف التاي

    ×الإبط الإمريكية:

    ظلت واشنطن على مدى ثلاثة عقود تتعامل مع الخرطوم بعقيدة واحدة لا تتغير، وإن تغيرت الوجوه في القصر الجمهوري، وتستخدم “سياسة العصا والجزرة”، أو ما يعرف في أدبيات العلاقات الدولية بسياسة الترهيب والترغيب، لإخضاع النظام الحاكم ووضعه تحت الإبط الأمريكي.
    سياسة البيت الأبيض مع عمر البشير منذ تسعينات القرن الماضي، هي ذاتها التي يمارسها اليوم بالنص مع عبد الفتاح البرهان.

    ×البيت الأبيض والبشير:

    في أكتوبر 1993بدأت القصة بوضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم جاءت العصا تباعاً، عقوبات اقتصادية شاملة 1997، تجميد أرصدة، حظر سفر لمسؤولين، مذكرة المحكمة الجنائية، قصف مصنع الشفاء.
    وفي كل مرة كانت تلوح بالجزرة، رفع جزئي للعقوبات مقابل تعاون استخباري، وعود بالاستثمارات، ورفع من قائمة الإرهاب ومساعدات، ثم الحوار السوداني الأمريكي، إلى قصة الحوافز والتعهدات التي قدمت لفصل الجنوب المعروفة بعد هندسة اتفاقية نيفاشا
    بواسطة السناتور الأمريكي ،القس جون دانفورث الذي عينه الرئيس جورج بوش الابن مبعوثاً خاصاً للسلام في السودان عام 2001، وهو الذي وضع خارطة الطريق التي قادت إلى بروتوكولات مشاكوس ثم إلى اتفاقية السلام الشامل / نيفاشا 2005.
    البشير ظل طوال 30 عاماً يترنح بين العصا والجزرة. كلما اقترب من الجزرة، جاءت عصا جديدة تعيده إلى المربع الأول. الهدف لم يكن إسقاطه فوراً، بل إبقاؤه ضعيفاً، محاصراً، قابلاً للابتزاز، وهكذا تفعل واشنطن الشيء نفسه مع البرهان.

    ×واشنطون والبرهان:

    بعد نجاح ثورة ديسمبر المجيدة وعقب سقوط البشير، وجدت واشنطن نفسها أمام رجل عسكري آخر يمسك بذات الملفات التي كان يمسك بها البشير مثل: الجيش، السيادة، العلاقات مع روسيا وإيران والصين، ومستقبل التطبيع، لذلك أعادت إنتاج نفس السياسة

    ×العصا والجزرة:

    يقوم محور السياسة الأمريكية تجاه السودان منذ مطلع التسعينات وإلى هذه الساعة على تهديدات متكررة بالعقوبات على قادة الجيش تجميد أرصدة شركات تابعة للجيش، حظر سفر، بيانات شديدة اللهجة من الخارجية الأمريكية، وتجميد مسار المساعدات. ومنع البرهان نفسه من زيارة واشنطن ورسائل بأن باب البيت الأبيض مغلق حتى إشعار آخر.

    أما الجزرة، فتتمثل في أنه وفي نفس الأسبوع الذي تصدر فيه العقوبات، تأتي عروض أخرى تشكل حوافز ومغريات، كأن يأتي الحديث عن شراكة اقتصادية، استثمارات في الذهب والزراعة، وعود بدعم الحكومة الانتقالية، وإغراء بصفقة “السلام مقابل التنمية”، وفتح ملف رفع الديون عبر البنك الدولي وصندوق النقد.
    نفس المشهد حدث أمس والآن وسيحدث غدا، طالما أن الخرطوم تمهد الطريق لهذا الصلف وتعطي أمريكا أكثر من مبرر وتفتح لها أكثر من ثغرة ليأتي الأمر ، منع من السفر، ثم تلميح بشراكة اقتصادية واستثمارات أمريكية في السودان إذا أبدى البرهان مرونة في ملفات محددة، أبرزها الموقف من الحرب، والعلاقة مع المحور الشرقي، وملف التطبيع.

    ×لماذا الإصرار على نفس السياسة؟

    واشنطن لا تريد نظاماً قوياً في الخرطوم، سواء كان إسلامياً أو عسكرياً، أو ديمقراطيا تريد نظاماً وظيفياً، ضعيفاً بما يكفي ليحتاج إليها، وقوياً بما يكفي ليحمي مصالحها، وسياسة العصا والجزرة تحقق هذا التوازن.

    تريد نظاما العصا تمنعه من الذهاب بعيداً نحو موسكو أو بكين أو طهران، والجزرة تمنعه من الانهيار الكامل الذي قد يخلق فراغاً تملؤه قوى أخرى لاترغب فيها واشنطون.

    ×الفرق بين البشير والبرهان:

    الفرق الوحيد بين البشير والبرهان أن البشير كان يملك أيديولوجيا يحتمي بها ويقاوم بها الابتزاز، حتى لو كانت مكلفة، وينتمي إلى جماعة سياسية يسند ظهره إليها، بينما البرهان يتعامل ببراغماتية عسكرية صرفة، بلا غطاء حزبي، مما يجعله أكثر عرضة للإبتزاز والخطر أمام هذه السياسة.

    ×النتائج المتوقعة:

    ولذلك، فإن النتيجة المتوقعة إذا استمرت الخرطوم في التعامل برد الفعل، وليس ببناء استراتيجية وطنية مستقلة، هي نفس النتيجة التي جناها السودان خلال 30 عاماً… دوران في حلقة مفرغة، لا رفع كامل للعقوبات، ولا شراكة حقيقية، بل بقاء السودان رهينة بين تهديد يخيفه، ووعد يغريه، دون أن يتحقق أي منهما بالكامل.