الحلقة الثانية
بقلم/ السفير الصادق المقلي
( B )
*رابعاً*: *قمة المياه في انجمينا*.. *فرصة أخرى غابت بسبب الحرب*
ويتكرر المشهد في قطاع المياه.
ففي يوليو 2026، استضافت العاصمة التشادية انجمينا المنتدى الأفريقي للمياه، بالتعاون مع البنك الدولي، في إطار مبادرة (( Water * *+Forward)). التي تستهدف تعزيز الأمن المائي في أفريقيا، وربط المياه بالتنمية الزراعية والأمن الغذائي والصحة والوظائف والاستقرار الاقتصادي.
لم يكن المنتدى مجرد اجتماع فني لمناقشة أزمة المياه؛ بل كان منصة لتعبئة التمويل وإطلاق مواثيق وطنية للمياه، وتطوير مشروعات قابلة للتنفيذ، وتعزيز التعاون حول الأحواض المائية المشتركة.
وشهد المنتدى توقيع مشروع للأمن المائي والقدرة على الصمود في تشاد بتمويل قدره 160 مليون دولار، إلى جانب تمويل إضافي بقيمة 50 مليون دولار لمشروع إقليمي لدعم الرعاة والمجتمعات المحلية في منطقة الساحل، يرتبط بتحسين سبل العيش والوصول إلى المياه والخدمات البيطرية وإدارة الموارد الطبيعية.
كما أطلقت تشاد وغامبيا وغينيا وتوغو مواثيقها الوطنية للمياه، ووقعت دول أفريقية أخرى إعلان انجمينا لتعزيز الأمن المائي والاستثمار والتعاون الإقليمي.
وأين السودان من هذه المنصة؟
السودان الذي يملك أنهاراً وأحواضاً مائية وموارد جوفية وأراضي زراعية واسعة، ويواجه ملايين مواطنيه أزمات متفاقمة في مياه الشرب والري والصرف الصحي، كان أولى الدول بأن تكون حاضرة في مثل هذا المسار، وأن تطرح مشروعات عاجلة لإعادة تأهيل شبكات المياه ومحطات المعالجة ومشروعات الري، وحماية مصادر المياه من التلوث والتدمير.
لكن الحرب جعلت الدولة عاجزة عن المشاركة الفاعلة في مسارات التخطيط والتنفيذ والتمويل، كما جعلت مؤسساتها ومرافقها عرضة للتدمير والتوقف، وأضعفت قدرتها على تقديم مشروعات وطنية متكاملة تستوفي المتطلبات الفنية والمالية.
وهنا يجب التمييز: لا توجد أرقام موثقة تسمح بالقول إن السودان خسر تلقائياً مبلغ 160 مليون دولار الذي خُصص لمشروع تشاد، أو مبلغ 50 مليون دولار للمشروع الإقليمي؛ فهذه الأموال موجهة إلى مشروعات محددة ودول مستفيدة وفق اتفاقاتها. لكن غياب السودان يعني أنه لم يكن حاضراً بما يكفي لعرض مشروعاته، أو التفاوض على حصة من برامج مماثلة، أو بناء شراكات تمويلية لمعالجة أزماته المائية.
وهذه هي الخسارة الحقيقية: ضياع فرصة التفاوض والحصول على تمويل لمشروعات كان السودان في أمس الحاجة إليها.
خامساً: كم خسر السودان؟ مليارات الفرص لا مجرد أرقام في البيانات
من الصعب، بل من غير الدقيق، وضع رقم إجمالي نهائي لخسائر السودان بسبب غيابه عن هذه القمم؛ لأن التعهدات المعلنة في القمم الدولية ليست مخصصات متساوية لكل الدول، كما أن الحصول على التمويل يخضع لمعايير المشروعات والجدوى الاقتصادية والقدرة المؤسسية والضمانات.
لكن يمكن القول إن السودان خسر فرصاً تمويلية واستثمارية بمليارات الدولارات، ليس لأن تلك الأموال كانت مضمونة له، وإنما لأنه غاب عن مسارات كان يمكن أن يتقدم من خلالها بمشروعاته، ويتفاوض على تمويلها، ويستفيد من برامج التنمية القارية والإقليمية.
ولننظر إلى حجم الاحتياجات السودانية: إعادة بناء قطاع الكهرباء، وتأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وإصلاح محطات المياه والصرف الصحي، وإعادة تأهيل السكك الحديدية والطرق والموانئ، ودعم الزراعة والري، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات، وإعمار المدن والقرى التي دمرتها الحرب.
كل واحد من هذه القطاعات يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وبعضها كان يمكن أن يكون جزءاً من برامج تمويل إقليمية أو دولية، لو امتلك السودان حكومة مستقرة ومؤسسات قادرة على إعداد المشروعات والتفاوض بشأنها وضمان تنفيذها.
ثم إن الخسارة لا تقتصر على التمويل الذي لم نحصل عليه. هناك أيضاً تكلفة الفرصة البديلة: ما كان يمكن أن ينتجه مشروع كهرباء لو أُنجز، وما كان يمكن أن يوفره مشروع مياه من صحة واستقرار، وما كان يمكن أن يضيفه طريق أو خط سكة حديد إلى حركة التجارة والإنتاج، وما كان يمكن أن توفره الاستثمارات الزراعية من وظائف وصادرات وإيرادات للدولة.
وهذه خسائر تتراكم عاماً بعد عام، وتنعكس على حياة ملايين السودانيين.
سادساً: موسكو.. هل قدمت للسودان ما يحتاج إليه في زمن الحرب؟
من الإنصاف ألا نقارن روسيا بغيرها من دون النظر إلى سجل قممها مع أفريقيا.
ففي قمة سوتشي عام 2019، أعلنت روسيا اتفاقات تجارية واستثمارية قُدرت بنحو 12.5 مليار دولار. وفي قمة 2023، أعلنت موسكو إعفاء ديون أفريقية بنحو 23 مليار دولار، إلى جانب مساعدات وتعاون في مجال إمدادات القمح والطاقة والتعدين والتعليم والصحة.
وهذه تعهدات ينبغي أخذها في الاعتبار، مع التمييز بين إعفاء الديون وضخ تمويل جديد، وبين اتفاقات التجارة والاستثمار والمساعدات المباشرة.
أما قمة موسكو في أكتوبر 2026، فقد ركزت على توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، والتجارة والطاقة والتعدين والنقل والزراعة، كما عرضت روسيا استعدادها لتوسيع التعاون في مجالات البنية التحتية ونقل التكنولوجيا وإمدادات الحبوب والأسمدة.
لكن السؤال السوداني يظل قائماً: ما الذي عاد به السودان من هذه القمة في صورة التزامات محددة لإعادة الإعمار؟
لقد عرض البرهان فرص الاستثمار في الذهب والمعادن والسكك الحديدية والمنطقة الاقتصادية الحرة على البحر الأحمر. وهذه ملفات مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن احتياجات السودان العاجلة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والزراعة وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
كما أن ما أعلنه بوتين في لقائه بالبرهان من تأكيد دعم إنهاء العمليات العسكرية والتوصل إلى تسوية سياسية، لا ينبغي قراءته باعتباره مجاملة دبلوماسية عابرة. فقد ربط الرئيس الروسي حديثه عن الاستقرار وإمكان توسيع التعاون مع السودان بضرورة إنهاء الحرب والوصول إلى تسوية سياسية.
ولعل هذه هي الرسالة العملية الأهم في اللقاء: لا يمكن بناء شراكة اقتصادية واستثمارية طويلة الأجل في بلد لا يزال يعيش حرباً مفتوحة، ولا يمكن ضمان منشأة كهرباء أو مشروع مياه أو استثمار تعديني أو بنية تحتية إذا كانت البيئة الأمنية والسياسية لا تسمح بحمايتها واستمرارها.
وهذا هو المعنى الذي عبر عنه موقف البنك الدولي في مثال محطة الكهرباء: التمويل لا ينفصل عن الأمن، والتنمية لا تنفصل عن السلام.
سابعاً: ليست القضية غرباً أم شرقاً.. بل من يمول تنمية السودان؟
إن المقارنة بين قمم الشراكة الأفريقية مع الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي وإيطاليا وفرنسا وروسيا لا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة سياسية أو انحياز لمعسكر دولي ضد آخر.
فلكل قوة دولية مصالحها وأولوياتها وشروطها، ولكل شراكة ما لها وما عليها. كما أن التعهدات الغربية لا تعني بالضرورة أنها أكثر سخاءً أو أنها تنفذ جميع وعودها، ولا تعني التعهدات الروسية أن موسكو قادرة وحدها على تمويل إعادة إعمار السودان.
لكن ما تكشفه هذه المقارنة هو أن أفريقيا أصبحت ساحة تنافس على التمويل والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والموارد الطبيعية. والدول التي تمتلك مؤسسات مستقرة ورؤية تنموية واضحة تستطيع التفاوض مع الشركاء الدوليين وتحويل هذا التنافس إلى مكاسب وطنية.
أما السودان، فقد وجد نفسه خارج عدد من هذه المسارات بسبب أزماته السياسية، ثم أصبح أكثر عزلة بسبب الحرب. وفي الوقت الذي تتنافس فيه الدول على جذب التمويل لمشروعات الكهرباء والمياه والنقل والزراعة، ينشغل السودان بحماية ما تبقى من بنيته التحتية، وبمحاولة وقف تدمير مؤسساته وموارده.
إن السودان لا يحتاج إلى شريك يبحث عن الذهب والمعادن والموانئ فحسب؛ بل يحتاج إلى شراكات تمول إعادة بناء الدولة والاقتصاد، وتعيد الكهرباء إلى المدن والقرى، والمياه إلى البيوت والمزارع، والقطارات إلى السكك الحديدية، والطلاب إلى المدارس، والمرضى إلى المستشفيات.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون وقف الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وبناء سلطة شرعية قادرة على التفاوض باسم الشعب، وتقديم مشروعات وطنية شفافة، ومحاسبة من يتصرف في الموارد العامة والثروات الوطنية.
الخلاصة أن السودان لم يخسر فقط مقعداً في قمة أو دعوة إلى مؤتمر؛ لقد خسر سنوات من فرص التنمية، ومليارات من التمويل والاستثمار المحتمل، وموارد كان يمكن أن تسهم في بناء مستقبله.
ومن هنا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى السلطة في الخرطوم، وإلى كل من يفاوض باسم السودان في موسكو أو واشنطن أو بروكسل أو طوكيو، هي أن وقف الحرب ليس مجرد مطلب سياسي أو إنساني؛ إنه شرط اقتصادي وتنموي لا غنى عنه.
*فلا استثمار بلا أمن*، *ولا تمويل تنموي مستدام بلا استقرار*، *ولا شراكة استراتيجية حقيقية في غياب دولة قادرة على حماية* *المشروعات وصيانة الاتفاقات وضمان أن تعود ثمارها على مواطنيها*.
لقد آن للسودان أن ينتقل من حضور القمم بحثاً عن الاعتراف السياسي، إلى حضورها حاملاً مشروعاً وطنياً للتنمية والإعمار. فالعالم لا ينتظر السودان إلى ما لا نهاية، والفرص التي تضيع اليوم قد لا تعود بالشروط نفسها غداً.







إرسال تعليق