حين يصبح النفوذ أقوى من القانون: الوقود بين استغلال السلطة والتحايل على الصفوف

  • بتاريخ : 3 نوفمبر، 2026 - 5:13 م
  • الزيارات : 19
  • بقلم / الطيب شيقوق- المحامي والمستشار القانوني

    في ظل الأزمات التي تشهدها البلاد، وما يعانيه المواطنون من شح في المواد البترولية، وطول صفوف الانتظار أمام محطات الوقود، تطفو على السطح ظواهر تستحق الوقوف عندها، من بينها استغلال بعض الأشخاص للنفوذ الذي يتمتعون به، أو الادعاء بامتلاكه لعربة لم تكن خاصته ، أو تقمص شخصيات نافذة، أو انتحال صفات رسمية، أو التذرع بعلاقاتهم وصلاتهم بمسؤولين في الدولة، بغرض الحصول على الوقود وتجاوز الضوابط المنظمة لصرفه، دون مراعاة لمعاناة المواطنين الذين يلتحفون الأرض ويفترشون السماء في انتظار أدوارهم للحصول على الوقود.

    وتتخذ هذه الممارسات صوراً متعددة؛ فقد يحضر شخص مدعياً أنه موفد من مسؤول رفيع، أو يتحدث باسم جهة نظامية أو مؤسسة حكومية، أو يجري اتصالاً هاتفياً أمام العاملين بالمحطة، موحياً بأنه يتلقى توجيهات مباشرة من شخصية نافذة، ليحصل على ما يريد من الوقود دون الوقوف في الصف أو التقيد بإجراءات الصرف المقررة.
    والخطورة في هذه الظاهرة لا تكمن فقط في الحصول على الوقود دون وجه حق، وإنما فيما تنطوي عليه من اعتداء على مبدأ المساواة بين المواطنين، وإهدار لقواعد العدالة في توزيع الموارد المحدودة.

    فالمواطن الذي ينتظر ساعات طويلة للحصول على احتياجاته لا ينبغي أن يتم تخطيه من قبل شخص نافذ أو آخر لا يملك سوى ادعاء النفوذ أو التلويح باسم مسؤول أو جهة رسمية.
    والأخطر من ذلك، أن يلجأ بعض أصحاب النفوذ إلى استغلال روابط القرابة، فيستعير أحدهم سيارة أحد أقاربه، ويتقدم بها صفوف الانتظار للحصول على الوقود، لا لحاجة السيارة أو صاحبها إليه، وإنما بغرض الحصول على الوقود ثم بيعه في السوق السوداء، محققاً لنفسه عائداً خاصاً، أو مقتسماً حصيلة البيع مع قريبه الذي أمده بالسيارة. وتزداد خطورة هذا السلوك حين يصدر ممن يفترض فيهم احترام القانون والقدوة في الالتزام به، فإذا بهم يوظفون نفوذهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب معاناة الآخرين.

    إن استعمال وسائل احتيالية للحصول على الوقود، أو استغلال الوظيفة العامة لتحقيق منفعة خاصة، أو تسهيل تجاوز الضوابط المقررة، أو الاتجار في الوقود بالمخالفة للقواعد المنظمة لتوزيعه، قد يرتب مسؤولية قانونية بحسب طبيعة الفعل والظروف المحيطة به. وقد تمتد المسؤولية إلى كل من يثبت علمه ومشاركته أو مساهمته المتعمدة في هذه الممارسات.

    وفي المقابل، تقع على عاتق إدارات محطات الوقود مسؤولية الالتزام بالضوابط الرسمية، والتحقق من صحة التصديقات والتوجيهات الاستثنائية، وعدم السماح بتحويل المحطات إلى ساحات لممارسة النفوذ أو استعراض العلاقات الشخصية. فالتوجيهات الرسمية لا تستمد مشروعيتها من أسماء أصحابها أو مكانتهم، وإنما من صدورها عبر القنوات المختصة ووفقاً للقانون.
    ولا يقل خطورة عن ذلك أن تتحول هذه الممارسات إلى سلوك مألوف يتعايش معه المجتمع، حتى يصبح تجاوز الصفوف أمراً عادياً، ويغدو الحصول على الحقوق مرتبطاً بما يمتلكه الشخص من علاقات، لا بما تقرره القواعد العامة. وهنا لا نكون أمام مجرد مخالفة في توزيع الوقود، بل أمام خلل أعمق يمس ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وفي عدالة تطبيق القانون.

    إن هيبة الدولة لا تتحقق إلا باحترام القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء. ومن غير المقبول أن تتحول المناصب العامة إلى أدوات للامتياز الشخصي، أو أن تصبح أسماء شاغليها وسيلة يستغلها البعض للحصول على منافع لا تتاح لبقية المواطنين.

    فالمسؤول الحقيقي ينبغي أن يكون قدوة في الانضباط واحترام القانون، لا أن يقتحم صفوف المنتظرين، متقدماً عليهم أو مرهباً لهم ببزته العسكرية أو ربطة عنقه الأنيقة، إلا إذا اقتضت طبيعة مهامه الرسمية وظروف العمل تدخلاً استثنائياً له ما يبرره.

    إننا بحاجة إلى رقابة جادة على عمليات توزيع المواد البترولية، وإلى آليات واضحة للتحقق من الاستثناءات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في انتحال الصفات أو استغلال النفوذ أو تسهيل الحصول على الوقود بالمخالفة للقانون، فضلاً عن التصدي بحزم للمتاجرة غير المشروعة في هذه المواد.

    فالدولة التي يتساوى فيها المواطنون أمام طلمبة الوقود، هي ذاتها الدولة التي ينبغي أن يتساووا فيها أمام القانون. أما حين يصبح النفوذ بديلاً عن القانون، فإن الخاسر ليس المواطن الذي طال انتظاره فحسب، وإنما هيبة الدولة ذاتها.