أطلق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تحذيرًا عاجلًا من تفاقم الأزمة الإنسانية في إقليمي دارفور وكردفان بالسودان، في ظل ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد، وتراجع الإنتاج الزراعي بفعل الجفاف، واستمرار النزاع والنزوح، إلى جانب نقص التمويل والقيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية. وحذر التقرير الصادر أمس من تزايد مخاطر المجاعة في مناطق إضافية، بالتزامن مع مؤشرات ميدانية على تدهور الأوضاع الصحية والغذائية، خصوصًا بين الأطفال والنازحين.
×التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (يُعرف اختصاراً بـ IPC) هو أداة عالمية معيارية متعددة الأطراف، تهدف إلى تحليل وقياس شدة ونطاق حالات انعدام الأمن الغذائي الحاد والمزمن، بالإضافة إلى سوء التغذية الحاد.
وأوضح التصنيف أن التنبيه يستند إلى أحدث الأدلة المتاحة بشأن المناطق التي سبق تحديد خطر المجاعة فيها ضمن سيناريو أسوأ الاحتمالات خلال الفترة من أكتوبر 2026 إلى يناير 2027، فضلًا عن مواقع أخرى تظهر فيها مؤشرات مقلقة. وتتزايد هذه المخاطر مع انتشار الجفاف الشديد المرتبط بظاهرة النينيو في أكثر من نصف مساحة السودان، الأمر الذي أدى إلى تعثر المحاصيل في بعض المناطق، وحرم أسرًا من مصادر الغذاء والدخل.
وأشار التقرير إلى أن حجم الاستجابة الإنسانية لا يواكب الاحتياجات المتزايدة، بسبب النقص الحاد في التمويل واستمرار صعوبات الوصول إلى المناطق المتأثرة بالنزاع، رغم جهود المنظمات المحلية وشركائها المنفذين. واعتبر أن تداخل النزاع والنزوح والجفاف ونقص الموارد يرفع احتمالات تفاقم انعدام الأمن الغذائي في أجزاء من دارفور وكردفان الكبرى.
وكشف التقرير عن فجوات كبيرة في خدمات علاج سوء التغذية الحاد الوخيم، إذ تفتقر 26 محلية من إجمالي 188 محلية في السودان إلى تغطية علاجية كافية، أو لا تتوافر فيها هذه الخدمات. وحتى أغسطس 2026، لم يحصل على العلاج سوى 26% من الحالات المتوقعة لسوء التغذية الحاد الوخيم المصحوب بمضاعفات طبية، وهو ما يعني أن نسبة كبيرة من الأطفال المصابين لا تصل إلى الرعاية اللازمة، بما يعرض حياتهم لخطر الوفاة.
وفي دارفور، أظهرت المسوح الميدانية حجم التدهور الغذائي والصحي، إذ سجلت 13 دراسة من أصل 17 مسحًا أُجري باستخدام منهجية SMART منذ يناير 2026 مستويات حرجة من سوء التغذية الحاد العام، بما يتوافق مع المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل لسوء التغذية الحاد. كما تجاوز انتشار سوء التغذية، وفق مؤشر الوزن إلى الطول، نسبة 20% في ستة من تلك المسوح.
وسجلت نتائج مسح أُجري في سبتمبر 2026 بشرق جبل مرة معدلات لسوء التغذية الحاد العام تجاوزت عتبة المجاعة في مخيمين للنازحين، بلغت 38% في أحدهما و30.8% في الآخر. وترافقت هذه المؤشرات مع انتشار الجوع الشديد وارتفاع الوفيات، بينما تضاعفت تقريبًا نسبة الأطفال الذين يتلقون خدمات التغذية في نيالا وأُدخلوا للعلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم، لترتفع من 5% إلى 11% بين يناير وأغسطس.
ولفت التقرير إلى استمرار ارتفاع نسبة الأطفال الذين يتوفون خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من دخول مرافق العلاج، بما يعكس وصول كثير منهم في مراحل متقدمة من التدهور الصحي. كما أشار إلى أن نتائج مسح SMART في طويلة خلال يوليو أظهرت معدلًا لسوء التغذية الحاد العام أقل قليلًا من المستوى الحرج، إلا أن النازحين هناك لا يزالون يعانون نقص الغذاء، خصوصًا بعد التخفيضات الأخيرة في التمويل، وسط مخاوف من تدهور إضافي.
وفي شمال دارفور، ظلت حالات الدخول للعلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم في أم برو قريبة من ضعف مستويات عام 2025، فيما سُجلت أعداد مرتفعة من الحالات في الطينة وكرنوي. وأكدت مسوح أخرى استمرار المستويات الحرجة لسوء التغذية الحاد العام في مناطق متفرقة من الإقليم.
وتضمنت نتائج المسوح التي نُفذت خلال أغسطس وسبتمبر في أربعة مخيمات للنازحين بجبل مرة مؤشرات إضافية على تفاقم الأزمة بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهرًا. فقد بلغ المعدل الإجمالي لسوء التغذية الحاد العام نحو 26.7%، بينما تجاوز مخيمان عتبة المجاعة المحددة عند 30%، مسجلين 38% و30.8%.
وأفاد ربع الأسر التي شملتها الدراسة بأنها تعاني الجوع الشديد، في حين سجلت ثلثا الأسر مستويات ضعيفة في مؤشر استهلاك الغذاء. كذلك بلغت معدلات الوفيات مستويات الطوارئ؛ إذ وصل معدل الوفيات الخام إلى 1.34، ضمن نطاق ثقة بنسبة 95% يتراوح بين 0.93 و1.92، بينما سجل معدل وفيات الأطفال دون الخامسة 2.14، ضمن نطاق ثقة يتراوح بين 1.17 و3.90.
ونقل التقرير عن مخبرين رئيسيين أن معدلات سوء التغذية الحاد الوخيم تضاعفت في عيادات الرعاية الصحية الأولية ببلدات تونغا وكالوكيتينغ ودلي وسليل في جبل مرة. كما أظهرت عمليات فحص شملت نحو 21 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهرًا في نيالا، خلال الفترة من يناير إلى أغسطس، ارتفاع نسبة سوء التغذية الحاد الوخيم بين الأطفال الذين حصلوا على الخدمات من 5.2% إلى 11.4%.
وامتدت المؤشرات المقلقة إلى النساء، إذ كشفت نتائج الفحص خلال زيارات الرعاية السابقة للولادة في يونيو أن 25.6% من النساء اللواتي خضعن للفحص كن معرضات لمخاطر تغذوية، بزيادة تجاوزت الضعف مقارنة بشهر يناير. كما بقيت معدلات التعافي في أغسطس دون 50%.
وفي جنوب دارفور، سجلت تلّس ارتفاعًا بنسبة 410% في حالات الدخول للعلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم، فيما بلغت الزيادة في محلية السلام 35%، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. كذلك ارتفعت الحالات في كاس أربعة أضعاف بين يناير ويونيو، من 4% إلى 17% وفق الأرقام الواردة في التقرير. وسُجلت زيادات أخرى في السنوط وكبم وشطاية، حيث اقتربت حالات الدخول للعلاج من ضعف مستويات عام 2025.
وأكدت المسوح المنفذة في مناطق أخرى من دارفور استمرار انتشار سوء التغذية الحاد بمستويات حرجة، إذ بلغ المعدل 26.6% في بيضة بولاية غرب دارفور، و24.3% في كتم بولاية شمال دارفور، و23.9% في أبو كارنكا بولاية شرق دارفور.
وفي كردفان، حذر التقرير من أن استمرار العمليات القتالية يفاقم النزوح ويقوض قدرة السكان على تأمين الغذاء ومصادر الدخل. فقد دفعت المواجهات في شمال كردفان أعدادًا من المجتمعات الزراعية إلى مدينة الأبيض، وسط محدودية فرص استئناف أنشطتهم المعيشية ما لم تتحسن الظروف الأمنية وإمكانية الوصول.
أما في جنوب كردفان، فقد أدى القتال في محلية هيبان ومدينة كاودا إلى فرار آلاف الأشخاص نحو مناطق نائية ومعزولة في جبال النوبة. وتواجه هذه المناطق انخفاضًا في معدلات الأمطار مقارنة بالمعتاد، بالتزامن مع استمرار النزاع، ما يزيد الضغوط على الإنتاج الزراعي. وذكر التقرير أن محلية هيبان تشهد نزاعًا بين الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، وأفراد من قبيلة الأطورُو، على خلفية خلافات تتعلق بترسيم الأراضي بين القبائل.
وفي غرب كردفان، تواجه الأسر صعوبات في الوصول إلى الأسواق والخدمات الأساسية، في وقت تشير فيه مؤشرات الأمطار إلى أحد أسوأ مواسم الجفاف منذ عام 2004. كما تعاني الولاية العزلة نتيجة طول الطريق المؤدي إليها من نيالا بجنوب دارفور، والقيود المشددة على الحركة من الخرطوم والدبة شمالي السودان، ما يحد من وصول المساعدات ويزيد تعرض السكان لانعدام الأمن الغذائي. وسجلت حالات الدخول للعلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم ارتفاعًا بنسبة 37% في الولاية.
وأشار التقرير إلى وقوع أكثر من 170 غارة جوية أو حادثة نهب أو اشتباك مسلح في الأسواق بمختلف أنحاء كردفان خلال عام 2026، مع تركز النزاع على مجتمعات تملك الماشية، ومجموعات الرعاة، والتجمعات الزراعية. وأدى استمرار انعدام الأمن في المناطق الريفية والزراعية إلى نزوح السكان وترك أصولهم ومصادر رزقهم والانتقال إلى مناطق حضرية أكثر أمانًا، من بينها مدينة الأبيض.
لكن الأبيض نفسها تواجه صعوبات في استيعاب التدفقات المتزايدة من النازحين، بسبب تدهور الخدمات الأساسية، وهشاشة وصول المساعدات الذي يعتمد على طريق دخول واحد، فضلًا عن ارتفاع مخاطر تفشي الأمراض، بما فيها الكوليرا.
وفي موقف يعكس خطورة المؤشرات، أيدت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي التنبيه بالكامل، معربة عن قلق بالغ إزاء الوضع الإنساني في مختلف أنحاء السودان. وأوضحت اللجنة أن نقص البيانات المسحية اللازمة لإجراء تحليل كامل وفق منهجية التصنيف لا يلغي دلالة الأدلة الأخرى المتاحة، التي تشير إلى تدهور سريع في مناطق متعددة معرضة لخطر المجاعة.
وأضافت اللجنة أن معدلات سوء التغذية الحاد وانعدام الأمن الغذائي عند مستويات تتجاوز مرحلة الأزمة أصبحت شائعة، حتى في المناطق التي تصل إليها المساعدات الإنسانية. وحذرت من أن العوامل المرتبطة بالأمراض والجوع وسوء التغذية والوفيات تزداد حدة، وتمتد آثارها إلى أعداد أكبر من السكان، في ظل استمرار النزاع والجفاف وتعثر الاستجابة الإنسانية.






إرسال تعليق