في الذكرى الرابعة لرحيل الحاج أحمد عثمان المقلي [ حوش المقلي… إخوةٌ من المهد إلى اللحد،]

  • بتاريخ : 23 يوليو، 2026 - 4:36 م
  • الزيارات : 26
  • حيدر البغيل المحامي يكتب:

    في رحاب الأرض التي تحفظ خطى الرجال، وتختزن في ترابها أخبار الآباء والأجداد، حيث الحصايا ليست مجرد قريةٍ على ضفاف النيل، وإنما ذاكرةٌ ممتدةٌ في عمق التاريخ، وحيث تتعانق أنساب البيوت الكريمة مع سيرة الرجال ومواقفهم؛ يطل علينا اسم الحوتاب واحدًا من الأسماء المرتبطة بتاريخ المكان، وبأسرٍ توارثت القيم والمجد، فصار تاريخها محفوظًا في صدور الرجال، ترويه المجالس وتتناقله الأجيال.
    ومن تلك الدوحة الوارفة، ومن ذلك البيت العريق، يأتي حوش المقلي؛ ذلك البيت الذي لم يكن منزلًا تسكنه أسرة فحسب، بل كان وطنًا صغيرًا للأخوة، ومجلسًا للمحبة، ومدرسةً في التماسك والتعاضد، ودارًا اتسعت للناس قبل أن تتسع لأهلها.
    وفي مثل هذا اليوم، وقبل أربعة أعوام، غاب عن دنيانا عمنا الحاج أحمد عثمان المقلي، بعد عمرٍ مديدٍ قضاه في طاعة الله ومرضاته.
    نستعيد ذكراه اليوم بقلوبٍ يملؤها الوفاء، ونشهد له بما عرفناه عنه من تقوى وورع، وحرصٍ شديدٍ على الصلاة، وملازمةٍ لطاعة الله.
    رحم الله أحمد المقلي، فقد كان ثالث ثلاثةٍ من الإخوة الذين كانوا علامةً من علامات منطقتنا ووجهًا من وجوهها التي لا تُنسى؛ مصطفى، ويس، وأحمد.
    ثلاثة إخوةٍ جمعتهم رابطة الدم، ووحدتهم المحبة، وربطت بينهم أخوةٌ عميقة قلّ أن يوجد لها نظير؛ عاشوا معًا في بيتٍ واحد، وتقاسموا أفراح الحياة وأتراحها، وكانوا لبعضهم سندًا وعضدًا، حتى غدوا مثالًا للأخوة التي تبدأ من المهد، وتمضي مع الإنسان في دروب الحياة، ولا تنتهي حتى عند اللحد.
    واليوم، وبعد أن ترجل الثلاثة، واحدًا بعد آخر، بقيت سيرتهم شاهدةً على زمنٍ كانت فيه البيوت تُبنى على المحبة، والأسر تُحفظ بالتكافل، والأخوة تُقاس بالمواقف لا بالكلمات.
    جذورٌ ضاربةٌ في عمق الحصايا
    ينحدر هذا البيت الكريم من أسرةٍ عريقةٍ من الحوتاب، فوالدهم هو:
    عثمان بن محمد الشهير بالمقلي، بن أحمد، بن فضل الله، بن الزين، بن علي، بن محمد، بن حسن الشهير بالحوته، بن أحمد سولقن، بن شاع الدين، بن عرمان.
    وهو نسبٌ كريم يرتبط بواحدٍ من أعرق بيوت الحوتاب، تلك البيوت التي ارتبط اسمها بتاريخ الحصايا، وكان لها حضورها في الذاكرة الاجتماعية للمكان، حتى ارتبط اسم حي الحصايا وسط بمسمّاه القديم الحوتاب.
    ومن هذا البيت خرج ثلاثة رجال، لكل واحدٍ منهم سيرةٌ تستحق أن تُروى، وأثرٌ تركه في أهله ومجتمعه.
    مصطفى… رجل المواقف والقيادة وقضاء حوائج الناس
    أما مصطفى، الأخ الأكبر، فقد كان قياديًا شعبيًا عصاميًا من طرازٍ فريد؛ عرفته المنابر والمجالس والمحلية، وعرفه الناس رجلًا قوي الموقف، لا يخشى في الحق لومة لائم، منافحًا عن حقوق أهله، وحريصًا على مصلحة بلده ومنطقته.
    كانت له بصمته الواضحة في قضايا المشروع الزراعي والمرافق والخدمات، وكان من الرعيل الأول من رجال حزب الأمة، يمتلك معرفةً فطريةً بأسرار السياسة والانتخابات، ويرى السياسة طريقًا لخدمة الناس، لا غايةً للوجاهة والمصلحة الشخصية.
    وكان أعظم ما تميز به قيادته لأسرته الممتدة بحكمةٍ واقتدار، فجعل من التماسك عنوانًا لها، حتى صدق فيهم قول أهلنا:
    بجيبٍ واحد، وقدحٍ واحد، ورأيٍ واحد.
    ومن هذا البيت خرج الدكاترة والسفراء وكبار الإداريين، حتى غدت الأسرة واحدةً من الأسر التي يشار إليها بالبنان في السودان، بما قدمته من أبناءٍ حملوا اسمها إلى ميادين العلم والعمل والخدمة العامة.
    رجلٌ جمع القلوب قبل أن تجمعها الانتماءات
    ومن أجمل ما يُروى عن شخصية مصطفى المقلي، ذلك الرجل الأنصاري الأصيل، أنه على الرغم من أنصاريته القحة وانتمائه المعروف، فقد كانت دائرة أصدقائه ومحبيه أوسع من حدود الانتماء السياسي والطائفي، إذ جمعته أواصر المحبة والاحترام والصداقة برجالٍ من مختلف المشارب والاتجاهات.
    فقد كان من أعز أصحابه وأقربهم إليه عددٌ من خلفاء وقيادات الطريقة الختمية، الأمر الذي يكشف عن شخصيةٍ كانت ترى في الإنسان أخلاقه ومروءته ومكانته، قبل أن تنظر إلى انتمائه.
    في الدامر، كانت تربطه علاقاتٌ وثيقة ومودةٌ عميقة مع مجذوب برسي، وأحمد عبد الله، والقيادي الاتحادي أبو طالب.
    وفي الحصايا، امتدت تلك الصلات إلى محمد إسماعيل طه وشقيقه عبد الرحمن، والوالد الإمام أحمد عبد الرحمن، فكانت مجالسهم عامرةً بالود، ومواقفهم شاهدةً على أن القلوب الصافية تستطيع أن تتجاوز ما تضعه السياسة من حدود.
    أما في أم درمان، معقل الأنصار، فقد كان من أعظم أصدقائه وأقربهم إلى نفسه خليفة الخلفاء الحاج تاج السر علي الشيخ، الذي كان يكن له مصطفى مكانةً خاصة، وكان يحرص على زيارته في منزله بحي العمدة.
    وقد وطدت تجارة حناء الدامر أواصر الصداقة بين الرجلين، فكانت التجارة سببًا في التعارف، ثم تحولت المعرفة إلى مودة، وتحولت المودة إلى صداقةٍ راسخة، حتى أصبحت الأيام تجمع بينهما على المحبة والوفاء.
    وما أجمل أن يكون الرجل أنصاريًا أصيلًا، ثم تكون صداقاته مع رجال الختمية والإتحاديين والخلفاء والقيادات؛ فذلك ليس تناقضًا، وإنما هو سعة صدرٍ، ونبل نفس، وقدرة على أن يرى الإنسان أخاه الإنسان قبل أن يراه منتميًا إلى حزبٍ أو طائفة.
    لقد كان مصطفى من ذلك الجيل الذي كانت فيه السياسة لا تفسد للود قضية، وكانت الاختلافات في الرأي لا تُسقط المحبة، وكانت الصداقة أرفع من أن تحاصرها الحدود التنظيمية أو الطائفية.
    مصطفى… رجلٌ لقضاء حوائج الناس
    ومن أخص خصال مصطفى المقلي التي عرفها الناس عنه، حرصه الشديد على قضاء حوائج الناس، فقد كان يرى أن قيمة الرجل فيما يستطيع أن يفعله للآخرين، وأن أبواب المسؤولين إنما وُجدت لخدمة الناس، لا لتكون حواجز تحول بينهم وبين حقوقهم.
    وكان المقلي، بما عرفه الناس عنه من جرأةٍ في الحق، ومعرفةٍ بأهل المسؤولية، وعلاقاتٍ واسعة، لا يتردد في أن يحمل حاجة صاحبها إلى من يستطيع قضاءها، وكأنه يرى نفسه مسؤولًا عن كل من قصده، حتى تنتهي حاجته.
    ومن القصص التي تُروى في هذا الباب، أن وفدًا من قبيلة الشكرية كان في طريقه، وقد قامت الجهات الأمنية بحجز شاحنة تحمل سمادًا، وذلك بعد كبري عطبرة ناحية الدامر.
    فلم يجد الوفد سبيلًا لحل مشكلته، حتى دلّهم بعض الناس على المقلي، فقصدوه في دكانه، وحكوا له قصتهم، فما كان منه إلا أن حمل قضيتهم على عاتقه، وأخذهم معه إلى الأمانة العامة.
    وكان يومها الوالي البروفيسور عبد الله أحمد عبد الله.
    دخل المقلي على الوالي ومعه الوفد، فطلب منهم الوالي الجلوس، فما كان من مصطفى إلا أن قال، في تلك الجرأة التي عُرف بها:
    «ما بنقعد… إلا تقول حاجتنا مقضية».
    فلم يكن يريد مجلسًا ولا وعدًا مؤجلًا، وإنما كان يريد أن يرى حاجة الناس وقد قُضيت.
    وبالفعل، اتصل الوالي برئاسة الأمن في الدامر، وتمت إطلاق سراح الشاحنة، وانتهت مشكلة الوفد، وعاد أصحاب الحاجة وقد قُضيت حاجتهم.
    تلك القصة تختصر جانبًا كبيرًا من شخصية مصطفى المقلي؛ فقد كان يرى أن من عرف طريق المسؤول، أو استطاع الوصول إلى صاحب القرار، فإن واجبه أن يفتح الطريق أمام أصحاب الحاجات، لا أن يحتفظ به لنفسه.
    وكان يدخل مكاتب الحكومة لقضاء حوائج الناس دون تردد، لا طلبًا لمصلحةٍ شخصية، ولا بحثًا عن وجاهة، وإنما لأنه كان يحمل هموم الناس كما لو كانت همومه.
    فقد كان يؤمن بأن خدمة الناس شرف، وقضاء حوائجهم أمانة، والوقوف معهم وقت الشدة من أعظم أبواب المروءة.
    يس… عفة اليد واللسان
    وأما يس، فكان عنوانًا لعفة اليد واللسان، ونقاء السريرة، وحسن السيرة.
    نشهد له بما عرفناه عنه من الاستقامة، ويشهد له أذان السحر والصلاة، تلك الأصوات التي كانت تصعد في هدوء الليل، فتوقظ القلوب قبل الأجساد.
    كان رجلًا هادئًا، زاهدًا، قريبًا من الناس، لا يعرف التكلف ولا يحب الظهور، وكانت حياته ترجمةً صامتةً لمعاني القناعة والإخلاص.
    أحمد… صاحب الذكرى الرابعة
    ثم كان أحمد، صاحب الذكرى اليوم، الذي مضى إلى ربه بعد عمرٍ مديدٍ في طاعته.
    كان رجلًا عرفناه بالتقوى والورع والحرص على الصلاة وحسن السيرة، فغاب الجسد، وبقي الأثر، وانقضت السنوات، وبقي الدعاء.
    وفي الذكرى الرابعة لرحيله، نستحضر الحياة التي عاشها، والأخوة التي جمعته بإخوته، والسيرة التي تركها خلفه؛ فالرجل لا يُقاس بطول عمره، وإنما بما تركه من أثر، ولا يُعرف قدره بكثرة ما جمع، وإنما بما زرع في قلوب الناس من محبة.
    دارٌ عامرة وديوانٌ جمع الناس
    وتشهد لهم دارهم وديوانهم العامر، يوم كانت الدار مقصدًا للناس، والديوان منتدىً مفتوحًا يجتمع فيه أهل الحصايا، في زمنٍ كانت فيه الحياة أبسط، وكانت البيوت تتسع للجميع.
    وكان التلفزيون الوحيد في المنطقة يجمع الناس حوله؛ فيلتقي الصغير بالكبير، والقريب بالغريب، وتتقارب القلوب في مجلسٍ واحد.
    كان ديوان المقلي أكثر من مكانٍ لمشاهدة التلفزيون؛ كان ملتقىً اجتماعيًا ومجلسًا للأحاديث والأخبار، يتابع فيه الناس أخبار العالم عبر الشاشة الصغيرة، بينما كان عالمهم الحقيقي حاضرًا في ذلك الديوان العامر.
    كانت تلك الدار لا تعرف ضيقًا بالضيف، ولا بابًا موصدًا في وجه من قصدها، فكانت دارًا للناس، وديوانًا للمحبة، ومجلسًا للألفة.
    ومن ذاكرة تلك الأيام، تبقى صورة حوش المقلي حاضرةً في وجدان أهل الحصايا؛ بيتًا شهد مجالس الناس، وليالي رمضان، وذكريات الخير والعطاء، وظل مفتوحًا للقلوب قبل أن يكون مفتوحًا للأبواب.
    صهريج الماء وخدمة أهل الحصايا
    وتشهد لهم ذاكرة الحصايا كذلك بأن أول صهريجٍ للمياه وُضع لخدمة الناس في المنطقة كان من العلامات البارزة في مسيرة العطاء والخدمة العامة.
    فقد كان الماء يومها حاجةً أساسيةً تمس حياة كل بيت، فجاء الصهريج موردًا للناس ومنفعةً عامةً لأهل المنطقة، وشاهدًا على زمنٍ كان فيه الرجال يرون أن خدمة الناس شرف، وأن ما يُبذل للمجتمع يبقى أثره بعد رحيل أصحابه.
    سلال الخير وثلج رمضان
    وتشهد لهم كذلك سلال الخير التي اعتادوا توزيعها في شهر رمضان المبارك، فقد كانت تصل إلى المحتاجين في صمتٍ بعيدٍ عن الرياء، وتحمل معها أكثر من الطعام؛ تحمل معنى التكافل، وروح المودة.
    ويشهد لهم أيضًا ثلج رمضان، في زمنٍ لم تكن فيه الحصايا قد عرفت الكهرباء بعد، وكانت أيام رمضان تأتي بحرارتها الشديدة.
    كانوا يوزعون الثلج على أهل الحصايا في نهارات رمضان الحارة، فيسقون به ظمأ الصائمين، ويخففون عنهم وطأة الحر.
    كان الثلج يومها أكثر من ماءٍ بارد؛ كان بردًا على قلوب الصائمين، ورحمةً في نهارٍ قائظ، وصدقةً لا ينسى أثرها من عاشها.
    وهكذا تروي ذاكرة الحصايا عنهم صفحاتٍ من العطاء؛ سلال الخير في رمضان، وثلج رمضان، والديوان العامر الذي جمع الناس حول التلفزيون الوحيد، وأول صهريجٍ للمياه خدم أهل المنطقة.
    كلها شواهد على رجالٍ لم تكن مكانتهم فيما امتلكوا لأنفسهم، وإنما فيما قدموه للآخرين.
    خير خلفٍ لخير سلف
    ولعل أجمل ما تركه هؤلاء الرجال بعد رحيلهم، وأصدق ما يشهد على حسن سيرتهم وطيب معدنهم، تلك الذرية الطيبة التي أعقبوا بها بعضهم بعضًا؛ أبناءً وأحفادًا، زادهم الله بسطةً في العلم، وسعةً في التواضع، ونكرانًا للذات، فكانوا بحق خير خلفٍ لخير سلف.
    فمن هذه الدوحة المباركة خرج البروفيسور، والطبيب، والسفير، والمهندس، رجالًا ونساءً حملوا راية العلم، ومشوا بين الناس بالتواضع وحسن الخلق، ولم تجعلهم المكانة العلمية ولا المناصب الرفيعة بعيدين عن الناس.
    ولعل ما يقف شاهدًا على هذا الخلف الصالح، الدكتور عصام المقلي، أخصائي الباطنية بمستشفى الدامر، صاحب العيادة التي لا تصد سائلًا ولا تحرم محتاجًا، والذي ظل بارًا بوالده الحاج مصطفى المقلي، حافظًا لسيرته، مستمسكًا بإرثه في البر والإحسان.
    ومن جميل ما يُروى عنه قوله:
    «ينبغي أن نبرَّ من برَّ آباءنا». لانه يدرك ان ابر البرصلة الرجل اهل ود ابيه
    فلم يكن بره بوالده مجرد كلمات، وإنما تحول إلى عملٍ حي؛ فظلت أبواب عيادته مشرعةً لكل محتاج، ولكل من كانت له صلةٌ سابقة بالحياة العامة التي عاشها والده الحاج مصطفى المقلي، وكأن باب الأب ظل مفتوحًا بعد رحيله في قلب الابن.
    وها هو جمل الشيل، البروفيسور عمر المقلي، خبير علم إدارة الأعمال، يمشي بين الناس بالحسنى، في تواضعٍ جمٍّ، ونفسٍ محبةٍ للخير، وقد حببه الله إلى فعل المعروف، وسخر علاقاته ومكانته في النادي الأكاديمي لخدمة الناس، فكان سببًا في أن تحصل عشرات الأسر المعسرة على منحٍ تساعد أبناءها على دخول الجامعات، دون مَنٍّ ولا أذى، ودون ضجيجٍ أو طلب ثناء.
    وهكذا يكون العلم حين يتحول إلى رسالة، والمكانة حين تصبح أمانة، والعلاقات حين تُسخّر لخدمة الناس.
    ومن تلك الدوحة أيضًا، تأتي قصة حفيدته الدكتورة هدى الصادق المقلي، التي صنعت موقفًا استثنائيًا في تجربتها الطبية والإنسانية، حين ساعدت في ولادة أول امرأةٍ داهمها المخاض وهي على متن قطار، وسط ذهول ركاب القطار ودهشتهم، بينما عادت هي بعد أن أدت واجبها إلى مقعدها، وكأن شيئًا لم يكن؛ في مشهدٍ يجمع بين العلم والشجاعة ورباطة الجأش.
    وكانت الدكتورة هدى على وعدٍ مع جدها مصطفى المقلي، الذي حببها في دراسة الطب، وفتح أمامها الطريق إلى هذا المجال، بعد أن كانت قد قُبلت في كلية الصيدلة، فكان يرى فيها طبيبةً تحمل رسالةً، وكان تشجيعه سببًا في أن تختار طريق الطب.
    وهذا غيضٌ من فيض، وصفحةٌ واحدة من كتابٍ طويلٍ عنوانه:
    خير خلفٍ لخير سلف.
    فما تركه مصطفى ويس وأحمد لم يكن أسماءً تُذكر في مجالس الذكرى فحسب، وإنما تركوا وراءهم أبناءً وأحفادًا يحملون العلم والتواضع، ويجمعون بين النجاح ونكران الذات، ويجعلون من المكانة وسيلةً لخدمة الناس.
    حوش المقلي… من غير أبواب
    مضى عمنا أحمد المقلي إلى ربٍ رحيمٍ غفور، ولحق بشقيقيه يس ومصطفى، والتحق بركب الأحبة الذين سبقوه إلى الدار الآخرة.
    لكن ظل من بعدهم حوش المقلي من غير أبواب؛ لأن أبوابه لم تكن من خشبٍ وحديد، وإنما كانت من قلوبٍ مفتوحة، وأيادٍ ممدودة، وبيوتٍ لا ترد محتاجًا، وذريةٍ حملت ميراث آبائها في العلم والكرم والتواضع وخدمة الناس.
    لقد غابت الوجوه، ولكن بقي الباب مفتوحًا.
    بقي مفتوحًا في عيادة الدكتور عصام، وفي مبادرات البروفيسور عمر، وفي علم الدكتورة هدى، وفي كل ابنٍ وحفيدٍ يحمل من أخلاق أولئك الرجال شيئًا.
    وهكذا ظل حوش المقلي، حتى بعد أن غاب أهله، حوشًا بلا أبواب؛ يدخل إليه الناس من أبواب المحبة، ويخرجون منه بدعوةٍ صادقة، وذكرى طيبة، وأملٍ جديد.
    فيموت الإنسان، ويبقى أثره، ويرحل الأب، ويبقى بره في أبنائه، ويمضي الجد، وتظل سيرته تمشي على قدمين في أحفاده.
    فطوبى لبيتٍ أنجب رجالًا، وطوبى لرجالٍ خلفوا ذريةً صالحة، وطوبى لذريةٍ جعلت من إرث آبائها علمًا وتواضعًا وبرًا وخدمةً للناس.
    خير خلفٍ لخير سلف.
    وفي الذكرى الرابعة، نقف أمام سيرة الحاج أحمد عثمان المقلي وإخوته، لا لنرثي الغياب، وإنما لنشهد على الأثر.
    فأهل المعرفة يقولون إن الإنسان يمضي بجسده، ولكن روحه تبقى في آثار عمله، ونوره يبقى في وجوه من أحسن إليهم، وذكره يبقى في دعاء من أحبوه.
    وما أجمل أن يرحل الإنسان ويبقى اسمه دعاءً على ألسنة المحبين، وتبقى سيرته صدقةً في ذاكرة الناس، ويظل بيته شاهدًا على أن الأخوة الصادقة لا يمحوها الموت، ولا تطويها السنون؛ لأنها إذا صدقت، انتقلت من حياة الأجساد إلى حياة الأرواح.
    رحم الله أحمد ومصطفى ويس؛ ثلاثة إخوةٍ جمعتهم الدنيا بالمحبة، وجمعهم الله في الآخرة برحمته.
    رحم الله أولئك الرجال الذين كانت بيوتهم مفتوحة، وقلوبهم أوسع من أبوابهم، وأيديهم ممدودةً بالخير، ومجالسهم جامعةً للناس على المحبة.
    ورحم الله أصدقاءهم وأحبتهم من رجال الختمية والأنصار والاتحاديين وسائر أهل السودان، ممن جمعتهم بهم أيامٌ جميلة وصداقاتٌ صادقة، وجعل الله ما كان بينهم من محبةٍ ووفاءٍ شاهدًا لهم يوم يلقونه.
    اللهم اجمعهم في رحاب رحمتك، واجعل لقاءهم في الجنة لقاءً لا فراق بعده، كما جمعتهم في الدنيا إخوةً من المهد إلى اللحد.
    اللهم بارك في أبنائهم وأحفادهم، واحفظ ذريتهم، واجعلهم خير خلفٍ لخير سلف، واجعل العلم فيهم نافعًا، والتواضع لهم زينة، وخدمة الناس لهم طريقًا إلى رضاك.
    اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، واجمعنا بهم في جنات النعيم.
    سلامٌ على أرواحهم يوم غادروا الدنيا، وسلامٌ عليهم يوم يبعثون أحياء.
    إنا لله وإنا إليه راجعون.