إضافة القيمة ليست جديدة… من لبن عطبرة 1899 إلى مصانع الستينيات

  • بتاريخ : 16 سبتمبر، 2026 - 3:41 م
  • الزيارات : 25
  • بقلم / م.م. الإمام عبداللطيف الإمام

    المفارقة التي تبكي: 127 سنة للوراء
    في عام 1898، عند دخول كتشنر السودان، كان عامل اللحام في ورش السكة حديد يشرب لبناً مبستراً معقماً في زجاجة. وبعد تأسيس مدينة عطبرة كان اللبن يوزع له قبل الفجر في صندوق خشب الزان على باب بيته.

    وبحلول 1910 كان اللبن يوزع مجاناً على طلاب المدارس الصناعية بعطبرة.

    واليوم في 2026، نستجلب خبيراً خليجياً من السعودية والإمارات ليدربنا كيف نصنع لبناً مبستراً. *نحن لم نتقدم، نحن عدنا 127 سنة للوراء.*

    لماذا نحن هكذا؟ لماذا نمتلك تاريخاً طويلاً في الصناعة ثم نتركه يتراجع، وكأننا نبدأ من الصفر كل مرة؟

    *النموذج: معمل ألبان عطبرة.. البنك الوراثي*
    لم يكن معمل ألبان عطبرة مصنعاً عادياً. كان *بنكاً وراثياً* ارتبط باسم المدينة وهيئة سكك حديد السودان.

    أبقاره سلالة *فريزيان هولندية* دخلت مع كتشنر، وسلالتها مسجلة في بريطانيا منذ قبل 1860. وفي عام 1990 قدر عمر السلالة بـ 130 عاماً. لكل بقرة “جواز سفر”: اسم أمها وجدتها وإنتاجها. والبيطري يناديها: “تعالي يا حليمة” فتأتي، “تعالي يا سلمى” فتأتي. *بقر يعرف اسمه ويعرف صاحبه.*

    في ذروة نشاطه كان بالمعمل *قطيع ضخم يتجاوز الألف رأس* بنظام تغذية ورعاية متكامل. وكان إنتاجه يغطي عطبرة كلها من لبن مبستر وزبادي وجبن، ويوزع عبر عربات السكة الحديد المبردة.

    وكان المعمل مدرسة تخرج منها جيل من الفنيين والبيطريين.

    ومع مرور الزمن ظهرت تجارب أخرى تؤكد أن الفكرة راسخة. *ألبان كافوري* في الخرطوم أصبحت اسماً معروفاً، وأثبتت أن اللبن يمكن أن ينتقل للمستهلك عبر تصنيع وتعبئة آمنة.

    *كيف دمرنا النموذج بأيدينا؟*
    1. *أحرقنا الورق*: سجل النسب `Herd Book` لـ 80 سنة رمي في المخزن حتى أكلته الفئران. بدون الورق، البقرة التي تساوي 5000 دولار أصبحت لحمة بـ 200 جنيه.
    2. *بعناه واجهة*: بيع القطيع لسماسرة بحجة غلاء العلف.
    3. *وجاء من اشترى الذهب*: شركة هولندية اشترت القطيع بأضعاف السعر ونقلته بالطائرات وأخذت السجلات. *استردوا السلالة التي أخذها كتشنر منهم بثمن اللحم.*
    4. *بعنا المكن خردة*: بيعت ماكينات البسترة الألمانية بالكيلو. ماكينات كان يمكن أن تكون متحفاً نصدر منه المعرفة.

    *الفكرة لم تبدأ بعطبرة فقط… بدأت في الستينيات*
    وهنا السؤال: هل كانت عطبرة حالة فردية؟
    الإجابة: لا. السودان عرف “إضافة القيمة” وطبقها قبل 60 سنة.

    في ستينيات القرن الماضي، وفي إطار التعاون السوداني السوفيتي، أُنشئت مصانع قامت فكرتها على تحويل الإنتاج الزراعي والحيواني إلى منتجات مصنعة. وتوثق بيانات البنك الدولي منها:
    – *مصنع تمور كريمة* 1960
    – *مصنع ألبان بابنوسة* 1966
    – *مصنع تجفيف البصل في كسلا* 1966
    – *مصنع الفواكه والخضروات في كريمة* 1966
    – *مصنع الفواكه والخضروات في واو* 1967

    تمور… بصل… فواكه… خضروات… ألبان.
    الدولة كانت تنظر للزراعة كقاعدة لصناعة متكاملة، لا كمواد خام للتصدير.

    ولم تتوقف عند الغذاء. عرفنا *صناعة الغزل والنسيج*. أقمنا مصانع لتحويل القطن من محصول خام إلى خيوط وأقمشة وملابس جاهزة.

    الفكرة كانت واضحة: لماذا نصدر القطن خاماً ثم نستورد القماش المصنوع منه؟ الأولى أن تبدأ القيمة من داخل السودان.

    *يعني السودان لم يكن يفتقر للمعرفة. عرف الطريق من 1899، ووسعه في الستينيات.*

    *فأين المشكلة؟*
    المشكلة أننا *عرفناها، وطبقناها، ثم أهملناها.*

    أنشأنا المصنع ثم لم نحافظ عليه. استوردنا المعدات ثم تعثرت الصيانة. دربنا الكوادر ثم لم نوفر بيئة عمل.

    في بعض الحالات كان المصنع موجوداً لكن: الخام لا يصل… الطاقة تتعطل… قطع الغيار تتأخر… فتوقف.

    *وهكذا لم نخسر مصنعاً فقط. خسرنا سلسلة كاملة:*
    خسرنا سوقاً للمزارع. وعملاً للعامل. ودخلاً للناقل. ومنتجاً كان يمكن أن ينافس.

    ثم عدنا بعد سنوات نتحدث عن “إضافة القيمة” وكأنها اكتشاف جديد!

    *الفرصة التي قتلناها*
    معمل ألبان عطبرة كان يمكن أن يكون *المراعي والصافي السودانية*. تخيل لو ربطناه بمشروع زادنا: زادنا تنتج الأعلاف، وعطبرة تربي 10 آلاف بقرة من نسل “حليمة وسلمى” المتأقلم مع حر عطبرة، وتنتج لبناً يغذي نصف السودان.

    كنا نصدر جبنة وزبادي وحليب مجفف، ونبيع من سلالة `Atbra Friesian` لأفريقيا بملايين الدولارات.

    مزرعة المراعي في السعودية بها 750 ألف بقرة اليوم، وبدأت بعدنا بمائة عام. *بدلاً من ذلك استوردنا لبن البدرة، واستجلبنا خبيراً ليعلمنا ما كنا نعلمه.*

    *الدرس: المشكلة ليست موارد*
    السودان يمتلك ثروة حيوانية ضخمة، وأعلاف، ومياه، وسوقاً كبيرة، وتاريخاً صناعياً.
    ما نفتقده هو *الاستمرارية وحماية الإنتاج*.

    والأخطر أن توقف مصنع لا يعني خسارة مبنى، بل خسارة خبرات وسلاسل توريد وثقة مستهلك. وعندما نعود نكتشف أننا نبدأ من الصفر.

    *الحل بعد الحرب: إعادة التأهيل أولاً*
    ونحن نتحدث عن إعادة بناء السودان، لا يجب أن يكون أول سؤال: *كم مصنعاً جديداً سنبني؟*

    بل: *كم مصنعاً لدينا يمكن أن نعيده للحياة؟*

    إعادة تشغيل مصنع قائم أسرع وأقل تكلفة. والأهم أنها تعيد تشغيل شبكة اقتصادية كاملة.

    وهذا هو المفهوم الذي يجب أن يحكم التعاون مع الدول الصديقة:
    1. *نقل التكنولوجيا* وليس استيرادها فقط
    2. *تأهيل مصانعنا المتوقفة* وليس بناء جديدة فقط
    3. *تدريب كوادر سودانية* وليس خبراء مؤقتين

    والأهم: أن نربط *المصنع بالمزرعة، والمزرعة بالسوق، والسوق بالتصدير*.
    عندها تصبح الزراعة صناعة، والثروة الحيوانية اقتصاداً متكاملاً.

    *أسئلة توجع*
    ما معنى أن نصدر القطن خاماً ثم نستورد الملابس؟
    ما معنى أن نصدر الجلود ثم نستورد الأحذية؟
    ما معنى أن نصدر الماشية ثم نستورد اللحوم المصنعة؟
    ما معنى أن ننتج الفواكه ونفقدها لضعف التخزين؟
    ما معنى أن تكون القيمة الكبرى في سلسلة الإنتاج خارج السودان؟

    *القضية ليست موارد. إنها إدارة وإنتاج واستمرارية.*

    *الخلاصة*
    معمل ألبان عطبرة لم يفلس، *بل تم ذبحه*. ذبحنا “حليمة وسلمى”، وبعنا شهادة ميلادهما، وكسرنا صندوق الزان.

    *لو كان الإنجليز يريدون تدميرنا، لما فعلوا أكثر مما فعلنا بأنفسنا.*

    السودان الخارج من الحرب لا يحتاج أن يبدأ من الصفحة الأولى. لدينا تاريخ صناعي من 1899 إلى الستينيات يجب أن نقرأه.

    ما يمكن إصلاحه نعيده للإنتاج. وما يحتاج تحديث نحدثه.

    *نحن لا نحتاج لاستنساخ الماضي. نحتاج للبناء عليه.*

    لقد عرفنا الطريق منذ 127 سنة… *والمطلوب الآن ألا نتركه مرة أخرى.*

    *نحو سودان قوي ومتطور… بالعلم والإنتاج والعدالة وحسن الإدارة.*