( B )
بقلم/ السفير الصادق المقلي
ربما يكون السؤال الأفضل:
ما الشروط التي تجعل جلوسها وجلوس الآخرين مفيداً للسودان؟
هل نريد وقف إطلاق النار أولاً؟
هل نريد إجراءات لبناء الثقة؟
هل نريد ضمانات لحماية المدنيين؟
هل نريد ترتيبات إنسانية تسمح بوصول المساعدات؟
هل نريد إطاراً للعدالة والمساءلة؟
هل نريد ضمانات لتنفيذ ما نتفق عليه؟
هل نريد أن نتفق على أن السلاح لا يمنح صاحبه حقاً سياسياً إضافياً؟
هل نريد أن تكون مخرجات الحوار ملزمة لجميع الأطراف؟
إذا كانت الإجابة نعم، فأعتقد أننا اقتربنا من تعريف الحوار الذي يستحق أن نجلس إليه.
أما أن نجلس فقط لأن «الحوار أفضل من عدم الحوار»، فهذا صحيح نظرياً، لكنه ليس كافياً في بلد احترق نصفه بالحرب.
السودان لا يحتمل «حواراً من أجل الحوار»
لقد جربنا ذلك من قبل.
جربنا المؤتمرات.
وجربنا الموائد المستديرة.
وجربنا الوثائق.
وجربنا التوصيات.
وجربنا الاتفاقات.
لكن ما ينقص السودان ليس القدرة على إنتاج الأوراق.
ما ينقصه هو القدرة على تحويل الورق إلى واقع.
ولهذا فإنني لا أرى في موقف «صمود»، إذا كان المقصود رفض حوار بلا شروط أو بلا ضمانات، رفضاً للحوار.
بل أراه، في جوهره، سؤالاً مشروعاً:
ماذا سنفعل بعد أن نتحدث؟
فإذا كان الجواب:
سنوقف إطلاق النار،
وسنحمي المدنيين،
وسنفتح الطريق أمام المساعدات،
وسنبدأ عملية سياسية شاملة،
وسنضع ترتيبات أمنية واضحة،
وسنحاسب من ارتكب الجرائم،
وسنمنع إعادة إنتاج المليشيات والجيوش الموازية،
وسنعود إلى مسار تأسيس دولة مدنية ديمقراطية،
فأهلاً بالحوار.
أما إذا كان الجواب:
سنجلس فقط لنجلس، ثم نختلف، ثم يعود كل طرف إلى بندقيته،
فما الفائدة؟
وأخيراً…
أقول للأستاذ ضياء الدين بلال، مع كامل الاحترام:
ربما لا يكون الخلاف بيننا حول مبدأ الحوار أصلاً.
الخلاف الحقيقي هو حول شروط نجاحه ووظيفته.
نحن أيضاً نريد الحوار.
لكننا نريد حواراً ينهي الحرب، لا حواراً يتعايش معها.
نريد حواراً ينقل السودان من البندقية إلى السياسة، لا حواراً ينقل البندقية إلى قاعة المؤتمر.
نريد حواراً يبني شرعية جديدة، لا حواراً يمنح شرعية للأمر الواقع.
نريد حواراً يفتح الطريق أمام دولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات واحدة، لا حواراً يعيد ترتيب موازين القوى بين جيوش ومليشيات.
ولذلك:
صمود لم ترفض الحوار.
لكنها، كما أفهم موقفها، لا تريد أن يكون الحوار غاية في ذاته.
وهذا فرق جوهري.
فقد جلسنا من قبل عامين ونصف العام، وخرجنا بـ994 توصية، ثم ذهبت كلها إلى سلة المهملات.
فلا نريد أن نكرر التجربة، ثم نكتشف بعد عامين أو ثلاثة أننا كنا نمارس طقساً سياسياً اسمه «الحوار»، بينما كانت الحرب وحدها هي التي تتقدم.
الحوار الذي نحتاجه اليوم ليس مجرد أن نضع رؤانا على الطاولة.
بل أن نضع على الطاولة أيضاً:
وقف الحرب،
وحماية المدنيين،
وبناء الثقة،
والعدالة،
وضمانات التنفيذ،
ومستقبل الدولة.
وعندها فقط يصبح للحوار معنى.
أما الحوار من أجل الحوار، فليس حلاً للأزمة.
إنه قد يكون مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من الحرب.
وأرى أن الجملة الأخيرة تصلح جداً كـ«قفلة» للمقال، لأنها تلخص موقفك كله دون أن تظهر وكأنك ترفض الحوار: «الحوار من أجل الحوار قد يكون مجرد استراحة قصيرة بين جولتين من الحرب.»







إرسال تعليق