بقلم / م.م. الإمام عبداللطيف الإمام
ليست المشكلة في أن يظهر عبدالله حمدوك على شاشة «سكاي نيوز»، فظهوره حق مشروع لكل سياسي، كما أن الحديث عن مستقبل السودان حق لكل سوداني.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ظهر حمدوك؟
بل: *لماذا يظهر الآن؟ وبأي صفة؟ ومن أي منصة؟ وبأي مشروع؟*
ففي سبتمبر 2026، وبالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قاد حمدوك تحركاً سياسياً ودبلوماسياً في نيويورك وواشنطن، بصفته رئيس تحالف «صمود»، داعياً إلى وقف الحرب وإعادة القوى المدنية إلى قلب العملية السياسية والانتقال المدني.
وهنا يصبح *التوقيت جزءاً من قراءة المشهد، لا مجرد تفصيل عابر.*
فالسياسة ليست فقط ما يقوله السياسي أمام الكاميرا، وإنما أيضاً *الموقع الذي اختار أن يقول منه، واللحظة التي اختارها، والرسالة التي يريد أن تصل إلى الداخل والخارج.*
اليوم، وبعد سنوات الحرب، بدأ النقاش الدولي يتحرك بصورة متزايدة من سؤال: كيف نوقف القتال؟ إلى سؤال أكبر: *من سيشارك في تشكيل السودان بعد الحرب؟*
وهنا تحديداً تظهر أهمية الحضور الدولي.
حمدوك يمتلك لغة يفهمها المجتمع الدولي جيداً: *الانتقال الديمقراطي، المجتمع المدني، السلام، المؤسسات، إعادة الإعمار، والشرعية المدنية.* وهي لغة لها حضورها في العواصم والمنظمات الدولية.
لكن المشكلة أن *السودان ليس مؤسسات دولية فقط.*
السودان هو أيضاً المواطن الذي فقد منزله، والمزارع الذي فقد أرضه، والموظف الذي انقطعت عنه مرتباته، والأسرة التي نزحت، والمدينة التي دُمّرت، والقرية التي دفعت ثمن الحرب من أمنها ومستقبل أبنائها.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي عن الشرعية.
*هل تكفي القدرة على مخاطبة العالم لكي يصبح السياسي قادراً على مخاطبة السودان؟*
*وهل العلاقات الدولية والخبرة في المؤسسات والمنظمات يمكن أن تكون بديلاً عن الحضور الحقيقي داخل المجتمع السوداني؟*
لقد سبق لحمدوك أن تولى رئاسة الوزراء في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، ثم غادر المنصب في يناير 2022. وبعد اندلاع الحرب، أصبح من أبرز الوجوه المدنية التي تنشط خارج السودان للدفع باتجاه وقف الحرب والمسار المدني، أولاً عبر «تقدم»، ثم عبر تحالف «صمود» الذي تشكل لاحقاً بقيادته.
وهذا حق سياسي لا يمكن إنكاره.
لكن *الحق في النشاط السياسي لا يعني تلقائياً امتلاك تفويض سياسي.*
وهنا يجب أن نفرق بين الأمرين.
فأن تكون مقبولاً في العواصم الأجنبية شيء، *وأن تكون مقبولاً لدى قطاعات واسعة من الشعب السوداني شيء آخر.*
وأن تجيد لغة المؤسسات الدولية شيء، *وأن تمتلك مشروعاً يحظى بثقة السودانيين شيء مختلف تماماً.*
لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن *السودان لا يمكن أن يُدار من الخارج، كما لا يمكن أن تُصنع شرعيته في قاعات المؤتمرات الدولية.*
السودان يحتاج إلى شرعية تنبع من السودانيين أنفسهم.
ولا يعني ذلك رفض الدور الدولي في دعم السلام أو إعادة الإعمار أو المساعدة الإنسانية؛ فالمجتمع الدولي يستطيع أن يساعد السودان كثيراً.
لكن *المساعدة شيء، وتحديد من يحكم السودان شيء آخر.*
وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته *«إعادة التدوير السياسي».*
فالوجه الذي أصبح معروفاً في العواصم الدولية يمكن أن يعود مرة أخرى إلى المشهد، ولكن هذه المرة بغلاف جديد:
*خبرة دولية، خطاب مدني، علاقات خارجية، حديث عن إعادة الإعمار، وشعارات عن الانتقال الديمقراطي.*
لكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو:
*ماذا عن الداخل؟*
أين المشروع الذي يخاطب السودان نفسه؟
أين التصور الواضح لإعادة بناء الدولة والمؤسسات والاقتصاد والتعليم والزراعة والخدمة المدنية؟
أين الرؤية التي تقول للسودانيين: *ماذا سنفعل في اليوم التالي لانتهاء الحرب؟*
لأن إعادة بناء السودان لن تكون مؤتمراً دولياً، ولن تكون بياناً سياسياً، ولن تكون ظهوراً تلفزيونياً.
ستكون *مدارس تُبنى، ومصانع تعود، ومزارع تُزرع، وطرق تُفتح، ومؤسسات تُصلح، وقانون يُحترم، وثقة تُستعاد بين المواطن والدولة.*
وهذا لا يمكن أن يصنعه الخارج نيابة عن السودانيين.
ثم إن تجربة «صمود» نفسها تقول إن *الساحة المدنية السودانية ليست كتلة واحدة؛* فقد ظهرت تحالفات ومسارات متعددة، كما ظهرت خلافات واضحة حول شكل العملية السياسية وموقع القوى المدنية من أطراف الحرب.
لذلك فإن تقديم شخص واحد باعتباره العنوان المدني للسودان يحتاج إلى أكثر من دعم دولي أو مساحة إعلامية واسعة.
يحتاج إلى *تفويض شعبي حقيقي.*
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بهدوء، بعيداً عن التخوين والتقديس:
*هل نحن أمام مشروع وطني جديد، أم أمام إعادة تقديم لوجوه سياسية قديمة في لحظة دولية جديدة؟*
هذا السؤال لا يخص حمدوك وحده.
بل يخص كل سياسي سوداني يخرج من الخارج ليقدم نفسه باعتباره جزءاً من مستقبل السودان.
فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، ولا إلى استيراد الشرعية من الخارج.
السودان يحتاج إلى *وجوه وبرامج وأفكار تُختبر أمام شعبه، لا أمام العواصم الأجنبية فقط.*
فمن يريد أن يبني السودان عليه أن *يخاطب السودانيين أولاً.*
ومن يريد أن يقود السودان عليه أن *يحصل على ثقتهم.*
ومن يريد أن يتحدث باسم السودان عليه أن يتذكر دائماً أن *السودان ليس منصة دولية، والشعب السوداني ليس جمهوراً ينتظر من يختار له مستقبله.*
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه الحرب.
ومن حقهم، بعد كل هذا الدم والدمار والنزوح، *ألا يكون مستقبل بلادهم إعادة تدوير لوجوه الماضي بغلاف دولي جديد.*
*بل أن يكون بداية حقيقية لعهد جديد، يصنعه السودانيون، ويحاسَبون عليه أمام السودانيين، وتكون شرعيته الأولى والأخيرة هي ثقة الشعب السوداني وحده.*







إرسال تعليق