تعقيباً على مقال الصحفي القدير صبري محمد علي (العيكورة)
بقلم: د. سعاد فقيري
أحياناً لا يحتاج الوطن إلى كثير من الكلمات حتى يعرف رجاله الحقيقيين؛ فهناك مواقف تكشف معدن الرجال، وكلمات تُقال في اللحظة التي يكون فيها الصمت أسهل، لكنها تظل شاهدة على أصحابها في ذاكرة الوطن والتاريخ.
ومن هنا، أحيّي الصحفي القدير صبري محمد علي (العيكورة) على اختياره للسفير الحارث إدريس نموذجاً للدبلوماسي السوداني الذي استطاع أن يجعل للكلمة موقفاً، وللموقف حضوراً، وللحضور صوتاً مسموعاً في واحدة من أهم المنابر الدولية.
إن اقتراح إطلاق اسم السفير الحارث إدريس على أحد شوارع الخرطوم ليس مجرد تسمية شارع، وإنما هو دعوة إلى تخليد قيمة وطنية؛ فقيمة الشارع ليست في اسمه وحده، وإنما في القصة التي يحملها الاسم للأجيال القادمة.
والأجمل من ذلك أن هذا التكريم يمكن أن يتسع ليشمل قامات دبلوماسية سودانية تركت بصمتها في المحافل الدولية، وفي مقدمتها السفير عبدالمحمود عبدالحليم، الذي ارتبط اسمه كذلك بمواقف دبلوماسية حاضرة في الذاكرة السودانية.
فلماذا لا يكون هناك شارع للدبلوماسية السودانية يحمل أسماء رموزها؟
ولماذا لا تُطلق أسماء هؤلاء السفراء على قاعات كبرى في الجامعات السودانية، أو مراكز للدراسات الدبلوماسية والعلاقات الدولية؟
فالجامعة ليست مكاناً للعلم فقط، وإنما هي المكان الذي تُصنع فيه ذاكرة الأجيال.
تخيلوا أن يدخل طالب العلوم السياسية أو العلاقات الدولية إلى قاعة تحمل اسم السفير الحارث إدريس، أو يجلس في قاعة تحمل اسم السفير عبدالمحمود عبدالحليم، ثم يتعرف إلى مواقفهما وتجربتهما في الدبلوماسية السودانية.
هنا يتحول التكريم من لوحة على شارع إلى منهج تعليمي وذاكرة وطنية.
ولعل أجمل ما في مقترح الأستاذ صبري أنه لم ينظر إلى التكريم باعتباره مجاملة لشخص، وإنما باعتباره رسالة إلى الأجيال القادمة:
أن السودان يكرّم من يخدم وطنه، وأن المواقف الوطنية لا ينبغي أن تُنسى.
وهنا أيضاً لا بد من كلمة حق في الأستاذ صبري نفسه.
فشكراً لهذا الصحفي الهامة والقامة، الذي يعرف كيف يلتقط المشهد، ويضع الضوء على الأشخاص والمواقف التي تستحق أن تُقرأ وأن تُناقش وأن تبقى في الذاكرة.
شكراً له لأنه لا يكتفي بوصف الحدث، وإنما يحاول أن يصنع من الحدث فكرة، ومن الفكرة رسالة، ومن الرسالة ذاكرة وطن.
والصحافة الوطنية الحقيقية ليست فقط أن تكتب عما حدث، بل أن تسأل أيضاً:
ماذا سيبقى من هذا الحدث بعد أن ينتهي التصفيق؟
وأنا أضيف إلى مقترح صبري مقترحاً آخر:
لماذا لا تُنشئ الدولة قاعة السودان للدبلوماسية الوطنية داخل إحدى الجامعات السودانية، تكون بمثابة ذاكرة لتاريخ الدبلوماسية السودانية، وتُخلّد فيها أسماء السفراء الذين قدموا نماذج بارزة في تمثيل السودان والدفاع عن مصالحه؟
إن تكريم الحارث إدريس وعبدالمحمود عبدالحليم لا يعني إغلاق الباب أمام غيرهما، بل يعني أن نبدأ في توثيق مدرسة كاملة من مدارس الدبلوماسية السودانية، وأن يعرف أبناؤنا أن للدولة رجالاً وقفوا في المحافل الدولية يحملون اسم السودان، وأن الكلمة الدبلوماسية يمكن أن تكون في وزن الموقف السياسي، وأن القلم واللسان في ساحات الدبلوماسية قد يكونان سلاحاً للدولة لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى.
ولذلك، فإنني أضم صوتي إلى صوت الأستاذ صبري:
نعم لتكريم السفير الحارث إدريس.
ونعم لتكريم السفير عبدالمحمود عبدالحليم.
ونعم لتخليد أسماء رجال الدبلوماسية السودانية.
شارعٌ هنا، وقاعةٌ هناك، ومركزٌ للدراسات، ومادةٌ تُدرّس للطلاب، وكتابٌ يوثق التجربة.
فالأوطان العظيمة لا تكرّم رجالها فقط بالمدائح، وإنما تضع أسماءهم في الأماكن التي يمر بها الناس، ويتعلم فيها الشباب، وتقرأ فيها الأجيال القادمة تاريخ وطنها.
وفي النهاية، فإن تكريم الرجال ليس ترفاً، ولا مجاملةً عابرة، ولا بحثاً عن أسماء تُكتب على اللوحات؛ إنما هو وفاءٌ للوطن، وتوثيقٌ للتاريخ، ورسالةٌ للأجيال.
فالأسماء التي تستحق أن تُكتب على شوارع الخرطوم ليست فقط أسماء من رحلوا، وإنما أيضاً أسماء من صنعوا موقفاً، ورفعوا صوت السودان عالياً، وحملوا قضيته في أصعب المنابر والظروف.
وقد يكون الشارع اسماً، وقد تكون القاعة اسماً، وقد يكون المركز اسماً… لكن القيمة الحقيقية أن يعرف كل شاب سوداني لماذا سُمّي المكان بهذا الاسم، وماذا فعل صاحبه من أجل السودان.
وهنا تصبح التسمية كتاباً مفتوحاً، ويصبح المكان درساً في الوطنية، ويصبح التاريخ حاضراً في تفاصيل المدينة.
فليكن الحارث إدريس اسماً في شارع، وعبدالمحمود عبدالحليم اسماً في قاعة، ولتكن هناك مساحة أكبر لتوثيق رجال الدبلوماسية السودانية الذين حملوا اسم الوطن إلى العالم.
فالرجال يمضون، ولكن المواقف تبقى…
والأصوات تخفت، ولكن الكلمات الصادقة لا تموت…
والأيام تتغير، ولكن التاريخ لا ينسى من وقفوا عندما كان الوقوف واجباً.
وللأستاذ صبري محمد علي نقول:
شكراً لأنك كتبت عن الرجل، فذكّرتنا بالوطن.
وشكراً لأنك اقترحت اسماً لشارع، ففتحت باباً لتكريم جيل كامل.
وشكراً لأنك جعلت من الصحافة ذاكرةً لا مجرد خبر.
وفي وطنٍ أنهكته الحرب، نحن أحوج ما نكون إلى أن نُبقي في ذاكرة أبنائنا نماذج الرجال الذين جعلوا الوطن فوق كل اعتبار.
فليُكتب اسم الحارث…
وليُكرّم عبدالمحمود…
ولتُخلّد أسماء كل من حملوا السودان في قلوبهم، ورفعوا رايته في المحافل، وقالوا كلمتهم عندما كان للكلمة ثمن.
إن السودان لا يفقر من الرجال… وإنما يحتاج فقط إلى أن يعرف كيف يحفظ أسماءهم ومواقفهم للأجيال.
الوطن يعرف أبناءه… والتاريخ يعرف رجاله.
دام السودان، ودامت فيه أقلامٌ تعرف قيمة الرجال، وتحفظ للوطن ذاكرته.







إرسال تعليق