كان من اكثر المصطلحات تداولاً في الايام الاخيرة من حكم الرئيس عمر حسن احمد البشير هو مصطلح القطط السمان والذي لم يكن مجرد وصف لفئة من أصحاب الثروات الذين تمت مناداتهم لدفع جزء من اموالهم لانقاذ البلد من ازمتها الاقتصادية بل تحول إلى رمز يعكس حالة الغضب الشعبي تجاه الفساد واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتدهور الأوضاع الاقتصادية التي عانى منها المواطن
جاء انتشار المصطلح في وقت كانت البلاد تواجه أزمة اقتصادية معقدة تمثلت في ارتفاع معدلات التضخم ونقص السيولة النقدية وتراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إضافة إلى شح الوقود والخبز والدواء وفي ظل هذه الظروف برزت تساؤلات واسعة حول أسباب تركز الثروة في أيدي قلة من الأشخاص بينما كانت غالبية المواطنين تواجه صعوبات متزايدة في تلبية احتياجاتها اليومية
في هذا السياق استخدم مصطلح القطط السمان للإشارة إلى أشخاص وجهت إليهم اتهامات بالفساد المالي والإداري والإثراء غير المشروع واستغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية كما ارتبط المصطلح بمن اتهموا باحتكار الأموال أو تهريبها أو الاستفادة من الامتيازات التي أتاحتها مواقعهم داخل مؤسسات الدولة أو عبر علاقاتهم بمراكز النفوذ وقد أعلنت السلطات آنذاك عن حملات لملاحقة بعض المتهمين إلا أن تلك الحملات أثارت جدلاً واسعاً بشأن مدى شمولها واستقلاليتها وفاعليتها
ومن منظور اجتماعي تجاوز معنى القطط السمان حدود الأشخاص الذين شملتهم التحقيقات الرسمية ليصبح تعبيراً شعبيياً عن كل من راكم ثروات كبيرة في وقت كانت البلاد تمر فيه بأزمات اقتصادية خانقة لذلك رأى كثير من المواطنين أن المصطلح يرمز إلى فئة استفادت من موارد الدولة والفرص الاقتصادية بصورة غير عادلة في حين تحمل عامة الناس أعباء الغلاء والبطالة وتراجع مستوى المعيشة
كما ربط بعض الكتّاب والمفكرين بين هذا الواقع وبين القيم الدينية والأخلاقية التي تحث على الإنفاق والتكافل الاجتماعي مستشهدين بقول الله تعالى
﴿وَالَّذِينَ يَكنزون الذهب وَالفضة وَلَا ينفقوها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبشرعم بِعَذَاب أَليم
سورة التوبة اية
ومن هذا المنطلق اعتبر بعضهم أن القطط السمان تمثل صورة معاصرة لمن يحتكرون الثروات أو يوظفونها لتحقيق مصالحهم الخاصة بينما تمر البلاد بظروف تستدعي توجيه الموارد نحو دعم الاقتصاد والإنتاج وتخفيف معاناة المواطنين غير أن هذا الربط يمثل تفسيراً أخلاقياً أو دينياً يتبناه بعض الكتّاب وليس التعريف الرسمي الذي استُخدم للمصطلح في الخطاب السياسي
وأدى انتشار المصطلح إلى توسيع النقاش العام حول قضايا الحوكمة والشفافية والمساءلة فقد رأى كثيرون أن مكافحة الفساد لا تقتصر على القبض على أفراد بعينهم وإنما تتطلب بناء مؤسسات قوية وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء وتعزيز استقلال القضاء وتفعيل أجهزة الرقابة المالية والإدارية وضمان الشفافية في إدارة المال العام كما أن تحقيق العدالة الاقتصادية يستلزم تشجيع الإنتاج والاستثمار المشروع وإيجاد بيئة اقتصادية تقوم على تكافؤ الفرص والمنافسة العادلة
واخيراً فإن مصطلح القطط السمان يعكس مرحلة مهمة من التاريخ السياسي والاقتصادي للسودان حيث أصبح رمزاً للجدل حول الفساد والعدالة الاقتصادية وتوزيع الثروة كما يبرز أهمية بناء مؤسسات تقوم على النزاهة والشفافية وسيادة القانون بما يضمن حماية المال العام وتحقيق التنمية التي يستفيد منها جميع المواطنين بعيداً عن احتكار الثروة أو استغلال النفوذ
لقد اطلعت في صحيفة الكرامة الصادرة صباح يوم الاثنين ٥/٤/ ٢٠٢٦م علي موضوع مفاده ان مجلس الوزراء يعلن الحرب علي الفساد فهذه خطوة ايجابية تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة هذه الجريمة على استقرار الدولة ومستقبل المجتمع غير أن مثل هذه الإعلانات مهما حملت من نوايا حسنة لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تترجم إلى سياسات واضحة وإجراءات عملية وإرادة تنفيذية لا تعرف التهاون
فالفساد على اختلاف صوره لا يقوض الاقتصاد فحسب بل يهدم الثقة بين المواطن والدولة
من هنا فإن المواجهة الفعالة لهذه التحديات تستدعي أولاً سن قوانين رادعة تقوم على الوضوح والعدالة وتطبق على الجميع دون استثناء فلا قيمة لقانون لا ينفذ ولا هيبة لعقوبة لا تفرض وإن سيادة القانون هي الركيزة الأولى لأي إصلاح حقيقي
لكن القوانين وحدها لا تكفي فالمواطن يجب أن يكون شريكاً في هذه المعركة لا مجرد متفرج بل يشارك في التبليغ عن الفساد وفي سبيل ذلك يجب ان توفر له الحماية القانونية وذلك يعد خطوة جوهرية لتعزيز الرقابة المجتمعية فالكثير من قضايا الفساد الكبرى كشفت بفضل شجاعة أفراد قرروا أن لا يصمتوا.
إن إعلان الحرب على الفساد هو بداية الطريق لا نهايته والنجاح في هذه المعركة يتطلب تضافر الجهود بين الدولة والمجتمع والانتقال من الأقوال إلى الأفعال ومن الوعود إلى النتائج الملموسة وما زلنا نحتاج الي اصحاب الثروات للانفاق لرفع الازمة والمساهمة في تخفيف المعاناة عن المواطنين فهل انتهت القطط السمان.











إرسال تعليق