إعداد وتحليل: مركز 5Wsnews
إشراف: أحمد يوسف التاي
بقراءة موضوعية بمحاطة بشمولية النظر ، يمكن النظر إلى التحرك السعودي لتأسيس تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات، الذي نوقش في اجتماع ضم ممثلين عن 43 دولة، على أنه أحد أبرز التحولات في الإقليم خلال عام 2026. ويهدف التحالف إلى حماية الملاحة الدولية وخطوط الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، في ظل تصاعد هجمات الحوثيين وازدياد المخاطر على التجارة العالمية. وقد أعلنت 14 دولة حتى الآن دعمها الرسمي للمبادرة، بينما تواصل دول أخرى استكمال إجراءات الانضمام.
ماذا يكسب السودان من هذا التحالف؟:
بالنظر إلى جملة من المعطيات الراهنة يمكن القول أن إنضمام السودان إلى هذا التحالف في هذا التوقيت، ستكون له أبعاد تتجاوز الجانب العسكري، خاصة في ظل الحرب الداخلية التي يعيشها، وتوتر علاقاته مع بعض الأطراف الإقليمية.

أولاً: ما المكاسب التي قد يحققها السودان؟
1. كسر العزلة السياسية
انضمام السودان إلى تحالف تقوده السعودية ويضم عدداً من الدول العربية والإسلامية قد يعزز حضوره الدبلوماسي، ويؤكد أنه لا يزال شريكاً في ترتيبات الأمن الإقليمي رغم ظروفه الداخلية.
2. تعزيز الشراكة مع السعودية
إذا كان التحالف يحظى بأولوية لدى الرياض، فإن مشاركة السودان قد تترجم إلى:
توثيق التعاون العسكري والأمني.
فرص أكبر للدعم في مجالات التدريب وبناء القدرات.
تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي في مرحلة إعادة الإعمار.
3. حماية المصالح البحرية
يمتلك السودان ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، وأي تحسن في أمن الملاحة ينعكس على:
أمن ميناء بورتسودان.
حركة الصادرات والواردات.
جذب الاستثمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية.
4. تطوير القدرات العسكرية
المشاركة في تحالف متعدد الجنسيات قد تتيح:
تدريبات مشتركة.
تبادل المعلومات الاستخباراتية.
الاستفادة من الخبرات في المراقبة البحرية والدفاع الساحلي.
5. تعزيز الشرعية الدولية
إذا كان السودان ممثلاً بالحكومة المعترف بها دولياً، فإن المشاركة قد تُظهره باعتباره شريكاً في حماية الأمن الإقليمي، وهو ما قد يدعم موقعه في بعض المحافل الدولية.
ثانياً: هل يمكن للخرطوم ان تضع يدها مع أبي ظبي في إطار التحالف؟
من الناحية السياسية والعسكرية، نعم، هذا ممكن.
وجود خلافات حادة بين دولتين حول ملف معين لا يمنع مشاركتهما في تحالف أوسع إذا كانت لديهما مصلحة مشتركة. العلاقات الدولية مليئة بأمثلة لدول تختلف في ملفات معينة، لكنها تتعاون في ملفات أخرى.
توجد أزمة سياسية حادة بسبب اتهامات متبادلة بشأن الحرب السودانية، وقد أثرت هذه الأزمة في العلاقات الثنائية.
لكن إذا كان التحالف يركز على أمن البحر الأحمر وحماية الملاحة الدولية، فقد ترى كل دولة أن المشاركة تخدم مصالحها، بغض النظر عن الخلافات الثنائية.
ثالثاً: هل سيكون ذلك سهلاً؟
ليس بالضرورة، لأن هناك عدة احتمالات:
إذا اقتصر التحالف على التنسيق البحري وتبادل المعلومات، فقد يكون من الممكن مشاركة السودان والإمارات دون احتكاك مباشر.
أما إذا تطور إلى تحالف دفاعي ذي تنسيق عسكري وسياسي عميق، فقد تظهر تحديات مرتبطة بمستوى الثقة والتنسيق بين بعض الأعضاء.
رابعاً: هل تستطيع السعودية إدارة هذا التباين؟
إذا انضمت الإمارات لاحقاً، فمن المرجح أن تعمل السعودية على الفصل بين الخلافات الثنائية والأهداف الجماعية للتحالف. وهذا أسلوب متبع في كثير من التحالفات الدولية؛ إذ لا يُشترط أن تكون العلاقات بين جميع الأعضاء خالية من الخلافات.
من منظور استراتيجي، يمثل انضمام السودان فرصة لتعزيز موقعه الإقليمي وربط أمنه القومي بأمن البحر الأحمر، وهو ملف تزداد أهميته للدول العربية والإفريقية.
أما بالنسبة لاجتماع السودان والإمارات في تحالف واحد، فهو أمر ممكن من حيث المبدأ إذا كان الهدف المشترك هو حماية الملاحة والأمن البحري. لكن هذا لا يعني بالضرورة تحسن العلاقات الثنائية أو حل الخلافات القائمة؛ فقد يستمر الخلاف السياسي بالتوازي مع المشاركة في إطار أمني متعدد الأطراف. وهذا النمط من التعاون، رغم وجود خلافات، ليس أمراً غير مألوف في العلاقات الدولية.
توقيت التحرك السعودي، وفرص النجاح:
أولاً: لماذا جاء التحرك الآن؟
لا يمكن فصل المبادرة عن ثلاثة متغيرات رئيسية:
تصاعد تهديدات الحوثيين للملاحة الدولية، وما يمثله ذلك من تهديد مباشر للاقتصاد السعودي وللتجارة العالمية.
التوتر الإقليمي الواسع المرتبط بالصراع مع إيران، والذي جعل البحر الأحمر أكثر أهمية بعد تعطل أو تقييد بعض المسارات الأخرى.
تراجع الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الغربية، واتجاه القوى الإقليمية إلى بناء ترتيبات أمنية تقودها بنفسها.
ثانياً: الدلالات الاستراتيجية
1. انتقال السعودية من مستهلك للأمن إلى منتج للأمن فالمملكة لم تعد تكتفي بحماية حدودها، بل تسعى إلى قيادة منظومة أمن جماعي لحماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
2. تعزيز المكانة القيادية استضافة مقر التحالف في الرياض تمنح السعودية دوراً قيادياً في التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الدول المشاركة.
3. حماية الاقتصاد العالمي البحر الأحمر ليس ممراً سعودياً فقط، بل شريان رئيسي للتجارة والطاقة، ولذلك فإن أمنه أصبح قضية دولية.
ثالثاً: المكاسب السياسية
تعزيز النفوذ السعودي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
توسيع شبكة الشراكات العسكرية مع دول عربية وإسلامية وآسيوية وإفريقية.
ترسيخ صورة المملكة كقوة مسؤولة عن الاستقرار الإقليمي.
رابعاً: أبرز التحديات
رغم أهمية المبادرة، فإن نجاحها سيعتمد على:
تحويل الدعم السياسي إلى التزامات عسكرية فعلية.
تنسيق قواعد الاشتباك بين الدول المختلفة.
التعامل مع اختلاف أولويات الدول المشاركة.
تجنب تحول التحالف إلى ساحة استقطاب إقليمي.
كما أن غياب بعض الدول الإقليمية عن قائمة المؤيدين الأوائل قد يحد من فاعلية التحالف في مرحلته الأولى.
خامساً: ماذا يعني ذلك للسودان؟
إذا استمر السودان ضمن الدول الداعمة، فقد يحقق عدة مكاسب:
تعزيز التعاون العسكري مع السعودية.
زيادة دوره في أمن البحر الأحمر.
الاستفادة من التدريب وتبادل المعلومات والخبرات.
دعم موقعه الجيوسياسي باعتباره دولة مطلة على البحر الأحمر.
سادساً: هل هو نواة لتحالف دفاعي أوسع؟
رغم أن المبادرة تركز حالياً على الأمن البحري، فإنها قد تصبح أساساً لتعاون دفاعي أوسع يشمل:
الدفاع الجوي.
الأمن السيبراني.
تبادل المعلومات الاستخباراتية.
مكافحة الإرهاب.
حماية البنية التحتية للطاقة.
غير أن تحولها إلى تحالف دفاع جماعي شامل سيعتمد على تطور البيئة الإقليمية ومستوى التوافق السياسي بين أعضائها.
خلاصة
التحرك السعودي ليس مجرد رد فعل على هجمات بحرية، بل يعكس تحولاً في الفكر الاستراتيجي للمملكة من الدفاع الوطني إلى بناء منظومة أمن إقليمي تقودها الرياض. وإذا نجح في الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ، فقد يصبح أحد أهم الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط والبحر الأحمر خلال السنوات المقبلة، ويعيد رسم موازين القوة والتعاون الأمني في المنطقة.











إرسال تعليق