الضائقة المعيشية في السودان… واقع يطحن الأسر ويهدد تماسك المجتمع

  • بتاريخ : 20 سبتمبر، 2026 - 2:34 م
  • الزيارات : 11
  • بقلم / قرار حسين كسلا

    بالواقع الذي يعيشه السودانيون اليوم ، والمعاناة التي يشهدونها في البيوت والأسواق اصبحوا يدركون جيدا أن أزمة غلاء الأسعار في السودان ما عادت مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل تحولت إلى واقع يومي يطحن الأسر محدودة الدخل ويهدد تماسك المجتمع.

    منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انهارت سلاسل الإمداد، وأغلقت المصانع والأسواق، وفقد الجنيه السوداني أكثر من 80% من قيمته. كيس الدقيق الذي كان بـ 15 ألف جنيه تجاوز اليوم 140 ألفا في الخرطوم وأم درمان، وكيلو السكر والزيت أصبحا رفاهية لكثير من الأسر. ومع تعطل المرتبات وتأخرها لأشهر، وجد الموظف في الدولة نفسه يتقاضى راتبا لا يكفي لأسبوع واحد.

    في كثير من أنحاء السودان، تعيش الأسر على وجبة واحدة. الأم التي كانت تدبر مصروف منزلها بـ 50 ألفا أصبحت تحتاج إلى 300 ألف لتوفير نفس الاحتياجات. كثيرون لجأوا إلى “التكايا” الجماعية، وآخرون أخرجوا أبناءهم من المدارس لتوفير رسوم الدراسة، بل وللعمل في بيع الماء أو جمع الخردة.

    فيإحدى الفيديوهات سمعت إحدى ربات البيوت تقول بحسرة: “كنا مستورين، اليوم نفكر هل نأكل اليوم أم نشتري دواء”.

    العامل اليومي الذي كان يكسب 10 آلاف جنيه أصبحت أجرته لا تساوي مواصلاته. والموظف الحكومي، المعلم والممرض وموظف المحلية، يعيش حالة احتراق وظيفي، يذهب إلى عمله بدون حافز، وقد يضطر لترك وظيفته بحثا عن عمل هامشي، أو ممارسة عمل ثانٍ بعد الدوام.

    هذا الضغط يخلق بيئة طاردة للكفاءة، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، وتغيب الرقابة، وانتشار الرشوة الصغيرة لتسيير الأمور.

    عندما يضيق الحال، تضعف القيم. خبراء اجتماع يحذرون من أن الضائقة الحالية تدفع إلى ثلاثة مسارات خطيرة:

    1. *جرائم المعيشة:* سرقة المواد الغذائية، النهب، والاحتيال في توزيع الإغاثة.
    2. *المتاجرة بقوت الشعب:* تخزين السلع وبيعها بأسعار مضاعفة، والتلاعب في وزن الخبز.
    3. *سلوكيات مدمرة:* انتشار التسول المنظم، عمالة الأطفال، والعنف الأسري نتيجة الضغط النفسي.

    هذه ليست اتهامات للفقراء، بل نتائج متوقعة لاقتصاد منهار بلا شبكة حماية.

    إن معالجة الغلاء لا تكون بالمسكنات، بل بمحاسبة المتلاعبين والمحتكرين والمضاربين وبالاستقرار ووقف الحرب ، وفتح الأسواق والطرق، وصرف المرتبات بانتظام، ودعم التكايا والتعاونيات. فالجوع لا يهدد البطون فقط، بل يهدد السلم الاجتماعي بأكمله، وإذا لم يُتدارك، فإن كلفة إصلاح ما يفسده الجوع ستكون أغلى من كلفة إطعام الناس اليوم.