بقم/ د. سعاد فقيري
كيف تُنفَّذ قرارات تنظيم الحفلات والمقاهي والمواقع السياحية وتُؤمَّن العاصمة؟
ليست القرارات الحكومية غاية في حد ذاتها، وإنما قيمتها الحقيقية تكمن في قدرتها على الانتقال من الأوراق إلى الواقع.
فبعد القرارات الأخيرة التي استهدفت تنظيم الحفلات والمقاهي والمواقع السياحية بولاية الخرطوم، أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تنفيذ هذه القرارات بصورة تحقق الأمن والاستقرار، وتحافظ في الوقت نفسه على حق المواطنين في الترفيه والاستثمار؟
فالخرطوم الخارجة من آثار الحرب تحتاج إلى مشروع متكامل يعيد إليها الحياة، لكن وفق قواعد جديدة تجعل الأمن والانضباط أساسًا لكل نشاط اقتصادي أو اجتماعي.
أولاً: الأمن يسبق النشاط
لا يمكن أن تزدهر المقاهي أو تعود الحفلات أو تنتعش السياحة في مدينة لا يشعر فيها المواطن بالأمان.
لذلك ينبغي أن تسبق أي عودة للأنشطة خطة أمنية متكاملة تشمل:
الانتشار الشرطي في المناطق الحيوية.
تكثيف الدوريات الليلية.
تأمين شارع النيل والمتنزهات والمواقع السياحية.
مكافحة الظواهر السالبة والجرائم المنظمة.
فرض هيبة الدولة على جميع المرافق العامة.
فالاستثمار يبحث دائمًا عن الأمن قبل الأرباح.
ثانياً: تنظيم لا منع
الهدف من القرارات ليس إغلاق الحياة العامة، وإنما تنظيمها.
لذلك ينبغي اعتماد نظام واضح يشمل:
منح التراخيص وفق معايير محددة.
تحديد ساعات العمل.
الالتزام بالاشتراطات الصحية والبيئية.
توفير مخارج للطوارئ وإجراءات السلامة.
الالتزام بمستويات الضوضاء المسموح بها.
منع أي نشاط يخالف القانون أو الآداب العامة.
التنظيم الجيد يحمي المستثمر ويحمي المجتمع في آن واحد.
ثالثاً: غرفة عمليات موحدة
نجاح التنفيذ يحتاج إلى غرفة عمليات تضم:
ولاية الخرطوم.
الشرطة.
جهاز المخابرات.
الدفاع المدني.
السياحة.
المحليات.
الكهرباء والمياه والإسعاف.
تكون مهمتها متابعة تنفيذ القرارات ميدانيًا والاستجابة السريعة لأي طارئ.
رابعاً: التكنولوجيا شريك في الأمن
الخرطوم بحاجة إلى إدارة حديثة تعتمد على:
كاميرات مراقبة ذكية.
أنظمة إنذار مبكر.
قواعد بيانات للمنشآت المرخصة.
تطبيقات إلكترونية لتلقي بلاغات المواطنين.
ربط المواقع السياحية بغرف التحكم الأمنية.
فالعواصم الحديثة تُدار بالمعلومات بقدر ما تُدار بالقوانين.
خامساً: حماية الاستثمار
ينبغي أن يشعر المستثمر بأن الدولة تحميه وتطبق القانون على الجميع دون استثناء.
ومن أهم الإجراءات:
محاربة الابتزاز.
تسهيل الإجراءات.
توحيد الرسوم.
منع التعديات على المواقع الاستثمارية.
سرعة الفصل في النزاعات.
فكل مستثمر ناجح يخلق فرص عمل جديدة ويُسهم في تعافي الاقتصاد.
سادساً: إشراك المجتمع
نجاح أي قرار يعتمد على اقتناع المجتمع به.
ولهذا يجب إطلاق حملات إعلامية توضح:
أهداف القرارات.
أهمية المحافظة على المرافق العامة.
مسؤولية المواطن في الإبلاغ عن المخالفات.
نشر ثقافة احترام القانون.
فالأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
سابعاً: إعادة تأهيل المواقع السياحية
لا يكفي تنظيم المواقع، بل يجب تطويرها عبر:
تحسين الإنارة.
تشجير الشوارع.
صيانة الأرصفة.
توفير مواقف للسيارات.
دورات مياه عامة نظيفة.
خدمات إسعاف وإطفاء.
لوحات إرشادية حديثة.
فعندما تصبح المواقع منظمة وآمنة، تتحول إلى واجهات حضارية للعاصمة.
ثامناً: مؤشرات لقياس النجاح
أي خطة تحتاج إلى مؤشرات واضحة، منها:
انخفاض معدلات الجريمة.
زيادة عدد المنشآت المرخصة.
ارتفاع أعداد الزوار.
زيادة الإيرادات السياحية.
تحسن مستوى النظافة.
سرعة الاستجابة للبلاغات.
ارتفاع رضا المواطنين والمستثمرين.
الخرطوم تحتاج إلى مشروع إدارة
إن التحدي الحقيقي ليس إصدار القرارات، بل بناء منظومة قادرة على تنفيذها بعدالة واستمرار.
فالعاصمة لا تستعيد مكانتها بالشعارات، وإنما بالإدارة الرشيدة، وسيادة القانون، وتكامل عمل المؤسسات، والرقابة الميدانية، والمحاسبة دون استثناء.
إن الخرطوم اليوم أمام فرصة لتؤكد أن مرحلة ما بعد الحرب ليست مجرد إعادة فتح للمقاهي أو تنظيم للحفلات، بل بداية لعهد جديد تُدار فيه المدينة وفق رؤية حديثة تجعل الأمن أساس التنمية، والنظام أساس الاستثمار، والإنسان محور كل السياسات.
فالخرطوم التي كانت يومًا من أجمل عواصم إفريقيا قادرة على استعادة بريقها، إذا اقترنت القرارات بالإرادة، والإرادة بالتنفيذ، والتنفيذ بالرقابة، والرقابة بالمساءلة.
عندها فقط ستعود العاصمة مدينةً آمنةً، نابضةً بالحياة، وجاذبةً للاستثمار والسياحة، وعنوانًا لهيبة الدولة وسيادة القانون.



![في الذكرى الرابعة لرحيل الحاج أحمد عثمان المقلي [ حوش المقلي… إخوةٌ من المهد إلى اللحد،]](https://5wsnews.com/wp-content/uploads/2026/07/IMG-20260723-WA0189-450x300.jpg)







إرسال تعليق