رئيس تحرير الجريدة، بين حرية النشر وأعباء المسؤولية القانونية

  • بتاريخ : 25 يونيو، 2026 - 6:39 ص
  • الزيارات : 45
  • بقلم:الطيب مضوي شيقوق /المحامي

    في عالم الصحافة لا تُقاس المسؤولية بما يُكتب فقط، بل بمن سمح أن يُكتب، وبمن أجاز أن ينشر على صفحات الجريدة. ولهذا ظلّ منصب رئيس التحرير واحداً من أكثر المواقع حساسية في العمل الصحفي؛ فهو ليس مجرد مشرف إداري على المحررين، ولا مجرد منسق للعناوين والمواد، بل هو في كثير من الأحيان العقل الذي يوجّه السياسة التحريرية، واليد التي تفتح باب النشر أو تغلقه، والاسم الذي تقف عنده أسئلة القانون كلما أثار منشورٌ ما نزاعاً أو ألحق ضرراً أو تجاوز حدود المباح.

    ومن هنا يثور السؤال الجوهري: إلى أي مدى يسأل رئيس التحرير قانوناً عمّا يُنشر في صحيفته؟ وهل يعد مسؤولاً عن كل ما يظهر في صفحاتها، أم أن مسؤوليته تقف عند حدود معينة يضبطها القانون والواقع العملي معاً؟

    القاعدة العامة في أغلب التشريعات الصحفية أن رئيس التحرير لا يُنظر إليه بوصفه موظفاً عادياً في المؤسسة الصحفية، وإنما بوصفه المسؤول الأول عن المحتوى المنشور، أو على الأقل أحد أبرز المسؤولين عنه. فالجريدة لا تنشر باسم أفرادها، بل تنشر باسمها هي، ورئيس التحرير هو الذي يتصدر هرمها المهني، ويملك – من حيث الأصل – سلطة الإشراف على ما يخرج إلى الناس. لذلك فإن القانون كثيراً ما يربط بين منصبه وبين ما يُنشر في صفحات الجريدة، لا لأنه كتب المادة بنفسه، بل لأنه أجاز نشرها أو سمح بمرورها أو قصر في واجب الرقابة عليها.
    وتتجلى هذه المسؤولية في أكثر من صورة. فقد تكون مسؤولية جنائية إذا تضمّن النشر فعلاً يجرّمه القانون، كما في حالات القذف والتشهير، أو نشر الأخبار الكاذبة، أو المساس بحرمة الحياة الخاصة، أو التحريض على الكراهية والعنف، أو نشر مواد تمس الأمن العام أو تعرقل سير العدالة. ففي مثل هذه الحالات لا يقف القانون عند الكاتب وحده، بل قد تمتد يد المساءلة إلى رئيس التحرير باعتباره صاحب الإشراف على النشر، خاصة إذا ثبت أنه كان عالماً بالمادة المنشورة، أو أجازها صراحة، أو كان بحكم موقعه مسؤولاً عن مراجعتها ومنعها لو شاء. وقد تشتد هذه المسؤولية إذا نُشرت المادة بلا توقيع، أو باسم مستعار، أو تعذر الوصول إلى كاتبها الأصلي، فيصبح رئيس التحرير في نظر القانون هو الحلقة الأوضح والأقرب لتحمل عبء المساءلة.
    لكن المسؤولية لا تقف عند حدود العقوبة الجنائية. فهناك كذلك المسؤولية المدنية، وهي تلك التي تنشأ حين يسبب النشر ضرراً للغير، كأن يسيء إلى سمعته، أو يضر بمكانته الاجتماعية أو التجارية، أو ينشر عنه وقائع غير صحيحة ألحقَت به أذى مادياً أو معنوياً. وفي هذه الحال قد يجد رئيس التحرير نفسه في مواجهة دعوى تعويض، لا لأن المحكمة تريد أن تعاقب الصحافة، بل لأنها ترى أن ثمة خطأً مهنياً وقع داخل المؤسسة الصحفية وأنتج ضرراً واجب الجبر. وقد يكون هذا الخطأ في إجازة مادة غير متحقق من صحتها، أو في إهمال التثبت، أو في نشر اتهام بغير سند، أو في الامتناع عن نشر تصحيح أو رد رغم وجوبه.

    ثم تأتي بعد ذلك المسؤولية المهنية أو التأديبية، وهي مسؤولية لا تنظر فقط إلى مخالفة القانون، وإنما إلى مخالفة أصول المهنة وأخلاقياتها. فقد يتعرض رئيس التحرير للوم أو الإنذار أو الوقف أو غير ذلك من الجزاءات التي توقعها الجهات المنظمة للعمل الصحفي إذا ثبت أن الصحيفة خرجت عن مقتضيات النزاهة والموضوعية أو تجاهلت قواعد المهنة في التحقق والإنصاف وإتاحة حق الرد. فالمسؤولية الصحفية ليست فقط مسؤولية أمام المحاكم، بل هي أيضاً مسؤولية أمام المجتمع وأمام المهنة ذاتها.
    أن مسؤولية رئيس التحرير ليست مطلقة في كل الأحوال. فالقانون – في كثير من الأنظمة – يفرق بين من كتب، ومن حرر، ومن أجاز، ومن نشر، ومن ملك الوسيلة. ولذلك قد تكون المسؤولية مشتركة بين الكاتب ورئيس التحرير والناشر، وقد تكون أصلية على الكاتب وتبعية على رئيس التحرير، وقد تتوزع بحسب ما يثبت من علم أو قصد أو إهمال. فوجود اسم الكاتب على المقال لا يعفي رئيس التحرير بالضرورة، لكنه قد يخفف من وطأة المسؤولية أو يعيد ترتيبها. والعبرة في نهاية المطاف ليست بالاسم المطبوع أسفل المقال وحده، وإنما بدور كل شخص في إخراج المادة إلى النشر.

    ولهذا كان من أهم ما يتمسك به رئيس التحرير دفعاً للمساءلة أن يثبت أن المادة نُشرت من غير علمه، أو بالمخالفة الصريحة لتعليماته، أو أن النشر تم على نحو لا يملك معه رقابة فعلية على كل جزئية في الوقت المناسب، أو أن الصحيفة بادرت فور التنبيه إلى نشر تصحيح أو اعتذار أو حق رد، أو أن المادة المنشورة لم تتجاوز حدود النقد المباح إلى دائرة القذف والتشهير. كما قد يكون من دفوعه أن ما نُشر كان نقلاً أميناً عن مصدر رسمي أو حكماً قضائياً أو واقعة ثابتة، متى كان القانون يعترف لمثل هذا النقل بقيمة قانونية تدرأ المسؤولية أو تحد منها.

    وفي السياق السوداني، فإن الحديث عن مسؤولية رئيس التحرير لا ينفصل عن الإطار الذي رسمه قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية، إلى جانب القواعد العامة في القانون الجنائي والقانون المدني وما يتصل بالنشر عبر الوسائط الإلكترونية.

    فالمشرّع، وهو ينظم العمل الصحفي، لا يقصد فقط ضبط المهنة، بل يحدد كذلك من يتحمل تبعة الخطأ إذا وقع، ومن يقع عليه واجب التثبت والتحرير والمراجعة. ومن ثم فإن رئيس التحرير في الصحافة السودانية يظل – من حيث الأصل – في قلب دائرة المسؤولية، لا باعتباره خصماً للحرية الصحفية، بل باعتباره الضامن المهني الأول لسلامة ما يُنشر باسم الجريدة.

    ولعل الخلاصة التي يمكن الوقوف عندها هي أن رئيس التحرير يقف دائماً على الحد الفاصل بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في الحماية من الضرر، وبين حرية الصحافة وقيود القانون. فهو حارس بوابة النشر، لكنه في الوقت ذاته أول من يُسأل إذا انفلتت الكلمة من ضوابطها، أو تجاوزت حدود النقد إلى العدوان على الحقوق. ولذلك فإن منصب رئيس التحرير ليس امتيازاً صحفياً فحسب، بل هو عبء قانوني وأخلاقي ومهني كبير، تلازمه مسؤولية لا تخففها شهرة الجريدة، ولا يعفي منها توقيع الكاتب، ولا يسقطها الادعاء بأن النشر كان مجرد رأي عابر. فالكلمة حين تُطبع في صحيفة لا تعود ملكاً لكاتبها وحده، بل تصبح جزءاً من ذمة الجريدة، ويغدو رئيس التحرير – بحكم موقعه – أحد أبرز من يحملون تبعتها أمام القانون.