بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
بالأمس، وقبيل أذان المغرب بقليل، وأثناء حديثي مع الوالدة في السودان عبر الهاتف، عادت بي الذاكرة إلى عادة درجنا عليها منذ سنوات طويلة؛ أن نلتقي في بيتها في مثل هذا اليوم من شهر محرم، يوم التوسعة، حيث يجتمع شمل الأسرة الكبيرة والأهل، ويحمل كل بيت شيئاً من طيباته ومحبته.
كان ذلك اليوم يحمل نكهة خاصة؛ حيث تمتد الموائد بما تيسر من اللقيمات، ورز اللبن، والبليلة، والفواكه من موز وبطيخ ومنقة، ويجتمع الجميع حول الشاي باللبن والقهوة. كانت الفرحة تملأ المكان، وتتعالى أصوات الأطفال، وتعود البيوت إلى دفئها الذي تصنعه الألفة والمحبة.
وبعد صلاة المغرب في زاوية الختمية القريبة من منزل الأسرة، حيث يجتمع أهل الطريقة وأهل الحي للصلاة والأذكار، كان يحضر الخليفة للمريدين توسعة البليلة والرز والشاي باللبن واللقيمات، في مشهد يجسد معاني المحبة والألفة والتكافل والترابط بين الناس.
وأثناء حديثي مع الأسرة، سمعت أخي يقول لأخينا الأصغر: هناك شخص يقف عند باب الشارع،افتح الباب. وبمجرد أن فتح الباب، عرفت من صوته أن القادم هو عمنا من جهة الأب وخالنا من جهة الأم (……)، ذلك الرجل الذي يحمل في حضوره الكثير من الذكريات والمعاني.
دخل علينا بصوته الجهوري المعتاد قائلاً:
“السلام عليكم يا ناس البيت… يا ناس جو”.
فجاء رد الوالدة محملاً بالفرح:
“حبابك، مرحب بيك، حمد الله على السلامة، ادخل لي جو”.
في تلك اللحظة أدركت أنه عاد إلى السودان بعد رحلة قاسية إلى مصر بسبب ظروف الحرب؛ رحلة فقد فيها ابنه وضراعة اليمين، زينة شباب مدني، كما فقد فيها زوجة ابنه الأكبر في حادث حركة مؤلم، وأجرى خلالها عدداً من العمليات الجراحية بعد إصابة في الرجل ومشكلات في العين.
ومع كل ما مر به، عاد متوكئاً على عصاه، لا يحمل إلا قلبه الكبير، وجاء إلى منزل الأسرة ليتفقد الأهل، كما ظل يفعل طوال سنوات طويلة،في مختلف الظروف والمناسبات.
كان حضوره عبر تلك المكالمة الهاتفية لحظة مليئة بالبهجة والسرور. مجرد سماع صوته المحبب إلينا أعاد شيئاً من الإحساس بالطمأنينة والانتماء، وكأن جزءاً من روح البلاد قد عاد إلينا.
وفي تلك اللحظة تذكرت المثل الشعبي الذي يقول: “اللي ما عنده كبير يشتري كبير”. فكم نحن بحاجة إلى أمثال هؤلاء الرجال؛أصحاب القلوب الودودة، المحبين لأهلهم، الذين يكون وجودهم مصدر أمان وطمأنينة، ويتركون للأجيال درساً في الوفاء وصلة الرحم.
إن ما يقوم به هؤلاء الكبار ليس مجرد زيارات عابرة،بل هو منهج حياة، ورسالة ينبغي أن يتعلمها الأبناء، فقد قال رسول الله ﷺ:
“مَن سرَّه أن يُبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه”.
وصلة الرحم ليست كلمات تقال، وإنما هي إحسان إلى الأقارب، وتفقد لأحوالهم، وإيصال للخير إليهم، ودفع للضرر عنهم، وتتحقق بالزيارة، والاتصال، والسؤال عن الحال، وتقديم الدعم المادي والمعنوي عند الحاجة.
نحارب الكراهية وتبقى البيوت عامرة بأهلها، وتبقى الذكريات الجميلة شاهدة على أن المحبة وصلة الرحم هما من أعظم ما يتركه الإنسان من أثر طيب في هذه الحياة.











إرسال تعليق