أديس..حوار بلا وطن (15)
حين تفشل النخبة في التمييز بين الوطن والأيديولوجيا
د. حيدر معتصم مدني
إعداد وإشراف: مركز الخرطوم للحوار
ليست مشكلة السودان فقط في ضعف الحكومات…
ولا في الانقلابات…
ولا في الصراعات المسلحة…
ولا حتى في التدخلات الخارجية وحدها.
فهذه كلها ـ رغم خطورتها ـ تبقى في كثير من الأحيان نتائج لأزمة أعمق:
أزمة النخبة نفسها.
لأن النخب في أي مجتمع ليست مجرد فئات متعلمة أو جماعات سياسية، وإنما هي القوى التي يُفترض أن تقوم بوظيفة:
إنتاج الوعي،
وصناعة المرجعية،
وتوجيه المجال العام نحو بناء الدولة.
لكن المشكلة في السودان أن جزءًا كبيرًا من النخبة لم يتعامل مع الوطن باعتباره:
إطارًا جامعًا فوق الأفكار والجماعات،
بل تعامل معه باعتباره:
مساحة لتطبيق مشروعه الأيديولوجي أو السياسي الخاص.
وهنا بدأ الخلل التاريخي.
لأن النخبة حين تفشل في التمييز بين:
الوطن…
والفكرة،
فإن السياسة تتحول تدريجيًا إلى صراع على احتكار الحقيقة الوطنية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ظلت كثير من النخب السودانية تتحدث باسم:
الشعب،
أو الثورة،
أو الدين،
أو الحداثة،
أو الوطنية،
وكأنها تمتلك وحدها حق تعريف:
ما هو الوطن الصحيح؟
وما هو المجتمع الصحيح؟
وما هو التاريخ الصحيح؟
وهنا لم تعد النخبة تقوم بوظيفة:
إدارة الاختلاف الفكري داخل الوطن،
بل أصبحت تحاول:
إعادة تشكيل الوطن وفق تصورها الخاص.
ولهذا فإن جزءًا كبيرًا من أزمة السودان يعود إلى أن النخب تعاملت مع الدولة لا باعتبارها:
مشروعًا وطنيًا مشتركًا،
بل باعتبارها:
أداة لإعادة هندسة المجتمع.
ومن هنا دخل السودان في صراع طويل بين:
فكرة الدولة الوطنية…
وفكرة المشروع الأيديولوجي.
فبعض النخب أرادت أن تُعرّف السودان عبر:
الأيديولوجيا،
أو الجهة،
أو الطبقة،
أو الثورة،
أو الهوية الضيقة.
وفي المقابل جرى أحيانًا اختزال الوطن كله في:
جماعة،
أو حزب،
أو تيار،
أو مركز قوة.
وهنا ضاع المعنى الحقيقي للدولة.
لأن الدولة الحديثة لا تقوم على:
احتكار الحقيقة،
ولا على فرض هوية واحدة بالقوة،
ولا على تحويل السياسة إلى معركة خلاص نهائي.
بل تقوم على:
إدارة التنوع داخل مرجعية وطنية مشتركة.
لكن المشكلة أن كثيرًا من النخب السودانية لم تؤمن فعلًا بفكرة:
الوطن المشترك.
حتى حين رفعت شعاراته.
لأن الممارسة العملية كثيرًا ما كشفت أن الانتماء الحقيقي كان:
للجماعة،
أو الفكرة،
أو التحالف،
أكثر من الانتماء للدولة نفسها.
ولهذا كانت كل مرحلة سياسية تُنتج خطابًا جديدًا:
لإعادة تعريف الوطنية،
أو الشرعية،
أو الثورة،
وفق موازين القوة الجديدة.
ومن أخطر نتائج هذا الاضطراب أن المجتمع فقد تدريجيًا:
الثقة في النخب،
والإيمان بقدرتها على بناء مشروع وطني جامع.
لأن الناس رأوا أن كثيرًا من النخب تتحدث عن:
الوطن…
لكنها تمارس السياسة بمنطق:
الغلبة،
والاحتكار،
والاستقطاب،
وإقصاء المختلف.
وهنا تآكلت فكرة الدولة لصالح:
فكرة المعسكرات المتصارعة.
ومن أخطر ما وقعت فيه النخب السودانية أيضًا أنها كثيرًا ما تعاملت مع:
المجتمع…
بوصفه مادة للتعبئة،
لا مصدرًا للشرعية الوطنية.
ولهذا جرى:
تسييس القبائل،
واستغلال الهويات،
وتوظيف الدين،
وتحويل المجتمع المدني إلى أداة استقطاب.
أي أن النخب بدل أن تبني المجتمع…
أعادت أحيانًا إنتاج انقساماته لخدمة الصراع السياسي.
ومن هنا يمكن فهم لماذا ظل السودان عاجزًا عن إنتاج:
تيار وطني جامع،
أو مشروع تأسيسي مستقر.
لأن النخب نفسها كانت تتحرك غالبًا داخل:
عقلية الصراع على الهيمنة،
لا عقلية بناء الدولة.
ولهذا فإن أزمة السودان ليست فقط أزمة:
سلطة…
بل أيضًا أزمة:
وعي نخبوي.
وعي لم يحسم بعد الفرق بين:
الدولة والجماعة،
والوطن والأيديولوجيا،
والسياسة والتأسيس.
ولذلك فإن أي مشروع حقيقي لإنقاذ السودان لا يمكن أن يبدأ فقط بتغيير الحكومات…
بل يحتاج أيضًا إلى:
مراجعة عميقة للعقل النخبوي نفسه.
أي الانتقال من:
النخبة التي تبحث عن السيطرة على الوطن…
إلى:
النخبة التي تساعد المجتمع على بناء وطن يتسع للجميع.
لأن النخب التي ترى نفسها أكبر من المجتمع…
تنتهي غالبًا إلى تفكيكه.
أما النخب التي تدرك أن الوطن أوسع من أفكارها…
فهي التي تُسهم في بناء الدولة حتى وهي تختلف فيما بينها.
ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط معركة سلطة…
بل معركة وعي.
معركة لإعادة تعريف:
وظيفة النخبة،
وحدود السياسة،
ومعنى الدولة،
وفكرة الوطن نفسه.
وحين تنجح المجتمعات في إنتاج هذا الوعي…
تتحول السياسة من معركة استحواذ…
إلى مشروع بناء وطني مشترك.









إرسال تعليق