بقلم: د. مختار خضر بشراب
عندما نتحدث عن ثروة السودان، تتجه أذهاننا بصورة تلقائية إلى ما هو ظاهر: الأرض الواسعة، والمياه، والذهب والمعادن، والثروة الحيوانية، والإمكانات الزراعية، والموقع الجغرافي. وهذه كلها ثروات حقيقية، لا جدال في قيمتها. لكن هناك ثروة أخرى لا تظهر في الخرائط، ولا تدخل بسهولة في الحسابات الاقتصادية، ولا يمكن قياسها بعدد الأطنان أو براميل الإنتاج؛ إنها الإنسان السوداني بما يحمله من معرفة وخبرة ومهارة وقدرة على التفكير والعمل والابتكار وتحويل الإمكانات إلى نتائج.
فالأرض لا تنتج وحدها، والآلة لا تدير نفسها، والمستشفى لا يعتني بمرضاه دون كوادر، والجامعة لا تصنع المعرفة من تلقاء نفسها، والمشروع لا يتحول إلى اقتصاد بمجرد امتلاك رأس المال. وراء كل قيمة اقتصادية أو علمية أو اجتماعية عقل بشري يعرف كيف يكتشفها أو ينظمها أو يطورها أو يحولها إلى شيء قابل للاستمرار. ومن هنا يصبح السؤال عن ثروة السودان أعمق من السؤال عن حجم موارده؛ إذ ينبغي أن نسأل: هل نملك القدرة البشرية التي تجعل هذه الموارد مصدرًا حقيقيًا للمستقبل؟
هذه الفكرة مهمة لأن رأس المال البشري يختلف عن كثير من أشكال الثروة الأخرى. فالذهب يمكن استخراجه مرة ثم ينخفض المخزون، والأرض لها حدود، أما المعرفة والخبرة فبإمكانهما أن تنتجا قيمة جديدة بصورة متكررة. المهندس الذي يعرف كيف يحسن عملية إنتاجية لا يقدم منفعة لمرة واحدة بالضرورة، والطبيب صاحب الخبرة النادرة يستطيع أن ينقلها إلى أطباء آخرين، والباحث يمكن أن ينتج معرفة تقود إلى معرفة أخرى، والمدير الكفء يستطيع أن يبني طريقة عمل تستمر بعد مغادرته. ولهذا فإن قيمة الإنسان لا تكمن فقط فيما ينجزه بيديه، وإنما فيما يستطيع أن يجعل الآخرين والمؤسسات قادرين على إنجازه من بعده.
ومن هذه الزاوية، فإن السودان لا يملك فقط مجموعة من أصحاب المهن والشهادات، بل يملك تراكمًا بشريًا واسعًا تشكل عبر أجيال. هناك من عمل داخل البلاد في ظروف صعبة، وهناك من اكتسب خبرات مختلفة في مؤسسات وأسواق وجامعات ومراكز بحث خارجها، وهناك أجيال جديدة نشأت في بيئات عالمية أكثر اتصالًا بالتكنولوجيا والمعرفة. هذه الصورة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها توزيعًا جغرافيًا للسودانيين فقط، وإنما باعتبارها توزيعًا للقدرات والخبرات والتجارب التي يمكن، إذا أحسن تنظيمها، أن تصبح جزءًا من القوة الوطنية.
لكن وجود هذه الثروة لا يعني أننا نحسن إدارتها. وهذه ربما هي المفارقة الأهم. فقد يكون لدى دولة ما عدد كبير من الكفاءات، ومع ذلك لا تحقق ما يتناسب مع هذا الرصيد إذا بقيت القدرات البشرية منفصلة عن بعضها، أو إذا لم تجد البيئة التي تسمح لها بالعمل، أو إذا بقيت الخبرات حبيسة الأفراد بدل أن تتحول إلى مؤسسات. ولذلك فإن المشكلة ليست دائمًا في نقص الأشخاص، وإنما في الطريقة التي تنظم بها الدولة العلاقة بين الإنسان والمعرفة والمؤسسة والاقتصاد.
وهنا يصبح رأس المال البشري أشبه بالبنية التحتية غير المرئية. قد لا نراه مثل الطريق أو الجسر، لكننا نكتشف أهميته عندما نحاول تشغيل الدولة بكفاءة. فوجود مستشفى حديث لا يضمن خدمة صحية جيدة إذا لم توجد الكفاءات القادرة على تشغيله وإدارته وتطويره. ووجود مصنع لا يعني وجود صناعة قادرة على المنافسة إذا لم تتوافر الخبرات التي تفهم الجودة والإنتاج والصيانة والسوق. وامتلاك جامعة لمبانٍ ومختبرات لا يصنع بيئة علمية ما لم يوجد فيها باحثون وأساتذة وطلاب قادرون على إنتاج المعرفة وتداولها.
ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بندًا اجتماعيًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل باعتباره استثمارًا في القدرة الإنتاجية للدولة نفسها. وكلما ارتفعت قدرة الإنسان على التعلم والتخصص وحل المشكلات والتكيف مع التغير، اتسعت قدرة الاقتصاد والمجتمع على التعامل مع المستقبل.
لكن رأس المال البشري ليس محصورًا في النخب الأكاديمية والمهنية. وهذه نقطة تستحق التأكيد. فالدولة لا تبني اقتصادًا حديثًا بالأطباء والمهندسين والأساتذة وحدهم. هناك فني ماهر، وحرفي متقن، ومشغل يعرف تفاصيل آلة، ومزارع يفهم أرضه، ومتخصص في اللوجستيات، ومحاسب، ومصمم، ومبرمج، ومدير عمليات، وعامل يمتلك خبرة تراكمية لا توجد في كتاب. وفي كثير من الأحيان تكون المعرفة العملية التي تراكمت لدى شخص عبر سنوات من العمل ذات قيمة لا تقل عن المعرفة النظرية، لأنها مرتبطة مباشرة بكيفية إنجاز الأشياء في الواقع.
ومن هنا ينبغي أن يتغير مفهومنا عن «الكفاءة». الشهادة مهمة، لكنها ليست المعيار الوحيد. القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى أداء، والأداء إلى نتيجة. وقد يحمل شخص شهادة مرموقة دون أن يستطيع حل مشكلة حقيقية، بينما يمتلك آخر خبرة عملية نادرة تجعله قادرًا على إصلاح ما تعجز عنه النماذج النظرية. ولذلك فإن بناء رأس المال البشري الوطني يتطلب نظرة أوسع إلى المهارة والخبرة والإبداع، لا الاقتصار على الألقاب الأكاديمية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نقع في خطأ النظر إلى السودانيين في الخارج باعتبارهم الثروة البشرية الحقيقية، وكأن الداخل مجرد مساحة تنتظر من يأتي لإنقاذها. هذا تصور غير دقيق وغير عادل. ففي السودان نفسه توجد كفاءات تعمل في ظروف شديدة الصعوبة، وتحافظ على استمرار قطاعات ومؤسسات رغم الضغوط. والواقع أن القيمة الوطنية الأكبر تنشأ عندما تتكامل الخبرات المختلفة، لا عندما يُنظر إلى طرف باعتباره أكثر قيمة من الآخر.
المعادلة إذن ليست «داخل مقابل خارج»، وإنما قدرات سودانية متعددة المواقع والخبرات يمكن أن تتكامل حول أهداف وطنية واضحة. وهذا التفكير يفتح الباب أمام مفهوم أوسع لرأس المال الوطني؛ فالقوة لا تأتي من عدد الأشخاص وحده، وإنما من جودة العلاقات بينهم، ومن قدرة المؤسسات على تحويل اختلاف خبراتهم إلى نتائج مشتركة.
وهنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية: ليس كل رأس مال بشري قابلًا للتعبئة في اللحظة نفسها. قد توجد خبرات كثيرة، لكن القيمة الحقيقية تعتمد على مدى ارتباطها باحتياجات فعلية. فإذا كانت الدولة تحتاج إلى تطوير قطاع معين، فإن السؤال لا يكون عن عدد الخبراء الموجودين، وإنما عن نوع القدرات المطلوبة، ومستوى خبرتها، ومدى استعداد المؤسسات لاستثمارها. بهذا المعنى، فإن إدارة رأس المال البشري تبدأ من فهم الاحتياج قبل البحث عن الشخص.
وهذه الفكرة تقودنا إلى مفهوم بالغ الأهمية: قابلية الدولة للاستفادة من الإنسان. فقد يمتلك المجتمع كفاءات ممتازة، لكن إذا كانت البيئة المؤسسية لا تمنحها مساحة للعمل أو لا تكافئ الكفاءة أو لا تسمح باتخاذ القرار أو لا توفر أدوات الإنجاز، فإن جزءًا من هذه الثروة سيظل معطلًا. لذلك لا يكفي أن نقول إن لدينا عقولًا كثيرة؛ علينا أن نسأل إن كان لدينا نظام قادر على تحويل هذه العقول إلى قدرة وطنية.
ومن هنا تصبح العلاقة بين رأس المال البشري والمؤسسات علاقة متبادلة. الإنسان يحتاج إلى مؤسسة تمكنه من الإنجاز، والمؤسسة تحتاج إلى إنسان قادر على تطويرها. وإذا بقيت المؤسسة معتمدة على شخص واحد، فإن المعرفة قد تختفي عندما يغادر. أما عندما تستطيع المؤسسة أن تحفظ الخبرة داخل عملياتها وثقافتها وأنظمتها، فإن المعرفة الفردية تتحول إلى قدرة مؤسسية. وهذه هي النقلة التي تجعل رأس المال البشري أكثر استدامة.
وقد يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام السودان في المرحلة القادمة: ألا يكتفي بإحصاء ما لديه من موارد بشرية، وإنما أن يعرف كيف يحولها إلى قدرة وطنية متراكمة. فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بعدد خريجي جامعاتها، ولا بعدد المتخصصين فيها، وإنما بقدرتها على جعل المعرفة تعمل داخل الاقتصاد والمؤسسات والمجتمع.
وعند هذه النقطة نكتشف أن الثروة البشرية ليست شيئًا موجودًا في مكان واحد. جزء منها داخل السودان، وجزء موزع في دول مختلفة، وجزء آخر ما زال في طور التكوين داخل المدارس والجامعات ومراكز التدريب. وهي ليست ثروة ثابتة؛ يمكن أن تتضاعف إذا استثمرنا في التعلم والبحث والتدريب، ويمكن أن تتراجع إذا أهملناها. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في استقطاب الكفاءات الموجودة، وإنما في صناعة أجيال جديدة تستطيع أن تضيف إلى ما هو موجود.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو أن ننظر إلى إعادة بناء السودان باعتبارها مسألة إسمنت وحديد وطرق ومبانٍ فقط. فهذه الأشياء ضرورية، لكنها لا تعمل وحدها. الدولة التي تمتلك بنية مادية دون قدرة بشرية على إدارتها ستعيد إنتاج المشكلة نفسها بصورة أخرى. أما الدولة التي تبني الإنسان بالتوازي مع مؤسساتها واقتصادها، فإنها لا تستعيد ما فقدته فقط، وإنما تزيد قدرتها على مواجهة ما سيأتي.
لهذا فإن السؤال عن ثروة السودان الحقيقية لا ينبغي أن ينتهي عند ما يوجد تحت الأرض، ولا عند ما يمكن استخراجه من الأرض، وإنما عند ما يمكن أن يخرج من عقول أبنائه وقدراتهم. فالمورد الطبيعي قد يكون محدودًا، لكن المعرفة يمكن أن تتضاعف. والآلة قد تنتج سلعة، لكن الإنسان يستطيع أن يصمم الآلة التي تنتجها. والمال يمكن أن يمول مشروعًا، لكن العقل هو الذي يقرر أين يستثمره وكيف يديره وكيف يحوله إلى قيمة.
ربما تكون ثروة السودان الحقيقية موزعة في كل هذه العناصر معًا، لكن الإنسان هو الحلقة التي تمنحها معناها الاقتصادي والحضاري. ولذلك فإن التحدي القادم ليس أن نكتشف أن لدينا رأس مال بشريًا؛ نحن نعرف ذلك. التحدي هو أن ننتقل من امتلاك الكفاءات إلى إدارة الكفاءات، ومن تفرق الخبرات إلى تكاملها، ومن المعرفة الفردية إلى القدرة الوطنية.
وعندها فقط يمكن أن يصبح السؤال «أين توجد ثروة السودان الحقيقية؟» سؤالًا له إجابة مختلفة.
فهي ليست فقط في الأرض التي نملكها، ولا في المياه التي نبحث عن أفضل طريقة لاستثمارها، ولا في المعادن التي تحت سطحها.
إنها أيضًا في الإنسان الذي يستطيع أن يجعل كل ذلك ممكنًا.
والتحدي الحقيقي ليس أن نعرف أين توجد هذه الثروة، فهي موجودة بالفعل؛ وإنما أن نعرف كيف نحولها من قدرات متفرقة إلى قوة وطنية تصنع المستقبل.










إرسال تعليق