محمد الأمين عبد النبي يكتب : إختبار العدالة في السودان

  • بتاريخ : 26 أغسطس، 2026 - 11:16 ص
  • الزيارات : 9
  • في فيلم American Traitor: The Trial of Axis Sally، الصادر عام 2021، تعود السينما إلى قضية أثارت جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. يحكي الفيلم قصة “ميلدريد جيلارز”، الأمريكية التي عاشت في ألمانيا خلال الحرب، وتحولت إلى صوت إذاعي للدعاية النازية الموجهة إلى الجنود الأمريكيين، فعُرفت باسم “أكسز سالي”. وبعد انتهاء الحرب، أُعيدت إلى الولايات المتحدة وحُوكمت بتهمة الخيانة.

    كانت القضية أكبر من امرأة تقف خلف الميكروفون؛ فقد طرحت سؤالًا لا يزال مهمًا في كل حرب: كيف نحدد مسؤولية الإنسان عندما يتصرف تحت سلطة قاهرة؟ وأين ينتهي الإكراه ويبدأ الاختيار الحر؟ وُجِّهت إلى “جيلارز” ثماني تهم بالخيانة، لكن هيئة المحلفين أدانتها في واحدة منها فقط. وبغض النظر عن خصوصية القضية وسياقها القانوني، فإنها تطرح سؤالًا يتجاوزها: هل يمكن أن تكون المسؤولية واحدة عندما تختلف قدرة الأشخاص على الاختيار؟

    يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في السودان خلال الحرب؛ فقد وجد السودانيون أنفسهم في مناطق خضعت لسيطرة طرف ما. ومع تغير خرائط السيطرة، أصبح المدني مضطرًا إلى التعامل مع سلطة الأمر الواقع، بصرف النظر عن موقفه السياسي منها.

    لذلك، لا يمكن اعتبار كل تعامل مع السلطة المسيطرة تعاونًا؛ فالحرب نزعت من المدني القدرة على الرفض، ووضعته أمام واقع من القهر. فالعدالة تقتضي التمييز بين من اضطر إلى التعامل مع سلطة الأمر الواقع، ومن اختار بإرادته الانخراط في نشاطها العسكري أو الأمني أو الدعائي، أو المشاركة في انتهاكات ضد المدنيين.

    هذه المسألة لم تعد افتراضية؛ فقد شهدت الحرب اتهامات ومحاكمات طالت عشرات الأشخاص بتهم تتصل بالتعاون أو مساندة الطرف الآخر، كما أثار التحريض ضد صحفيي ولاية الجزيرة اتهامات بالتعاون الإعلامي.

    ولا يمكن التعامل مع هذه الحالات بمنطق واحد؛ فالذي يختار طوعًا العمل الدعائي لمصلحة طرف مسلح، أو يشارك في التحريض وتبرير الانتهاكات، يختلف عن مَنْ يجد نفسه مجبرًا. كما أن مجرد الظهور في وسيلة إعلامية واقعة تحت سيطرة طرف من أطراف الحرب لا يكفي لإثبات التواطؤ.

    المشكلة أن الحرب تجعل الصورة أحيانًا أقوى من الحقيقة؛ فقد تتحول صورة أو منشور إلى دليل على الخيانة قبل أن يخضع صاحبه للتحقيق. ويتحول الانتماء الجغرافي إلى قرينة سياسية؛ فمن بقي في منطقة يسيطر عليها طرف معين يُنظر إليه باعتباره متعاونًا، ومن غادرها يُنظر إليه باعتباره خارج دائرة الشبهة: “مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ”.

    هذا النهج المعوج يهدد بإحداث شرخ اجتماعي عميق؛ فالذين غادروا قد يرون في البقاء تعاونًا مع السلطة المسيطرة، بينما يرى الذين بقوا أن مَنْ غادر لم يعش ظروف الخوف والحصار. والحقيقة أنه لا يمكن أن تكون الجغرافيا معيارًا للمسؤولية.

    ولكي يتعافى السودان، فإنه يحتاج إلى محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات، وإلى عدالة انتقالية تقوم على التحقيق الفردي، والأدلة، وتحديد درجة المشاركة، والتمييز بين المسؤولية الأخلاقية والجنائية، مع ضمان حقوق الضحايا ومنع العقاب الجماعي.

    إن أصعب اختبار للعدالة في السودان هو التمييز بين من استغل الحرب ومَنْ حاول النجاة منها. فإذا فشلت العدالة في هذا التمييز، فقد تتحول من وسيلة لبناء السلام إلى وقود جديد للحرب والتقسيم.