د. الزبير حمزة الزبير يكتب :الوطن الذي يسكننا

  • بتاريخ : 26 أغسطس، 2026 - 11:56 ص
  • الزيارات : 2
  • دكتور الزبير حمزة الزبير يكتب :الوطن الذي يسكننا
    قد نهاجر من وطننا بحثاً عن حياة افضل او وضع تعليمي ولكن تظل هجرة جسدية ويظل الوطن في القلب والذاكرة يجري فينا كجري الدم في العروق
    لأنه ليس مجرد أرض نعيش عليها ولا حدوداً جغرافية تفصل بين مكان وآخر وإنما هو جزء من تكويننا وذاكرتنا ووجداننا وهو المكان الذي شهد طفولتنا واحتضن خطواتنا الأولى وعرف أحلامنا الصغيرة قبل أن تكبر معنا وفيه وجوه أهلنا وأصدقاءنا وذكريات المدرسة وطرقات القرية ورائحة التراب بعد المطر وكل التفاصيل التي تبدو بسيطة في وقتها لكنها تصبح مع مرور السنوات أثمن ما نملك من الذكريات
    وقد نعيش سنوات في الغربة، وربما نجد هناك العمل والراحة والاستقرار لكننا نظل نحمل في دواخلنا شيئاً لا نستطيع أن نتركه خلفنا فالوطن لا تحمله الحقائب ولا يترك عند حدود المطارات وإنما ينتقل معنا في قلبنا وذاكرتنا
    ولعل أجمل ما في الوطن أنه يرتبط بالإنسان منذ طفولته فالطفل الذي نشأ في قرية يعرف موسم الخريف قبل أن يعرف معنى التقويم وينتظر المطر ويراقب السحبويفرح بالأرض وهي تكتسي بالخضرة. ويعرف طريق المدرسة وأصوات الجيران، ومجالس الكبار، ومواسم الزراعة والحصاد. ثم تمضي السنوات ويبقى كل ذلك حياً في الذاكرة حتى وإن تغيرت الأماكن وتبدلت الحياة
    وفي وطننا الحبيب بصورة خاصة، ترتبط علاقة الإنسان بالأرض ارتباطاً عميقاً فالأرض ليست مصدراً للرزق فقط وإنما هي تاريخ العائلة وذاكرة الأجداد ومكان الأحلام ولهذا فإن فقدان الأرض أو الابتعاد عنها يترك في النفس أثراً لا تمحوه السنين بسهولة
    لكن حب الوطن لا ينبغي أن يكون مجرد حنين إلى الماضي أو كلمات جميلة نقولها في المناسبات فالوطن الذي نحبه يحتاج إلى العمل من أجله. يحتاج إلى التنمية وإلى التعليم وإلى توفير فرص العمل وإلى الاهتمام بالقرى والأرياف وإلى حسن استثمار موارده وإلى إقامة المشروعات التي تعود فائدتها على أهل المنطقة، حتى يشعر المواطن أن وطنه ليس مجرد ذكرى جميلة وإنما مكان يستطيع أن يعيش فيه بكرامة وأمل
    ومن يحب وطنه حقاً لا يكتفي بأن يقول إنه يحبه بل يسأل نفسه ماذا قدمت له ماذا يمكن أن أفعل من أجل أن يكون أفضل وكيف أساهم في بناء مستقبل أبنائه فالوطن مسؤولية مشتركة وكل جيل مطالب بأن يترك للأجيال التي بعده شيئاً أفضل مما وجده
    وقد يكون أجمل ما في الوطن أنه يبظل حاضراً حتى في الغياب فقد يمر الإنسان بأماكن كثيرة ويرى مدناً جميلة، ويعيش تجارب جديدة، لكنه عندما يتذكر وطنه الأول يشعر بشيء مختلف هناك علاقة لا تفسر بالعقل وحده لأنها علاقة صنعتها سنوات العمر الأولى وترسخت بالذكريات والناس والأرض
    ولهذا تبدو كلمات الشاعر احمد شوقي صادقة وعميقة حين قال وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليهِ في الخلد نفسي تعبيراً منه عن حبه لوطنه لأن الوطن في أعمق معانيه ليس مكاناً يسكنه الإنسان بل مكان يسكن الإنسان نفسه
    قد تطول المسافات، وقد يطول الغياب،وقد تتغير الوجوه والطرق والبيوت لكن الوطن الأول يظل في القلب وكلما عاد الإنسان إليه ولو بعد سنوات يشعر وكأنه لا يعود إلى مكان فحسب وإنما يعود إلى جزء من نفسه وإلى زمن تركه خلفه ولم يستطع أن يتركه داخله
    فالوطن قد يغيب عن العين، لكنه لا يغيب عن الذاكرة، وقد تفصلنا عنه المسافات لكن الحنين إليه يظل أقرب الطرق إلى القلب ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن نفعله لوطننا هو ألا نكتفي بالحنين إليه فقط بل نعمل حتى يصبح الوطن الذي نحلم به واقعاً يليق بأبنائه ويمنحهم الأمن والكرامة والأمل