الإصلاح القانوني… نقطة الانطلاق نحو بناء السودان

  • بتاريخ : 30 يوليو، 2026 - 7:03 ص
  • الزيارات : 7
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق – المحامي والمستشار القانوني

    لا يختلف اثنان على أن السودان، بعد سنوات الحرب وما خلفته من دمار في الإنسان والعمران، يقف أمام مفترق طرق تاريخي. وفي مثل هذه اللحظات لا يكفي أن نسأل: ماذا سنبني؟ بل يجب أن نسأل أولًا: على أي أساس سنبني؟

    لقد أصاب الاخ أحمد يوسف التاي , رئيس تحرير جريدة 5ws, كبد الحقيقة عندما رأي في الإصلاح القانوني أولوية تسبق إعادة تأهيل المباني الحكومية، وتجديد المكاتب، واستبدال الأثاث. فالدول لا تنهض بجمال مقارها، وإنما بقوة مؤسساتها وعدالة قوانينها وحسن تطبيقها.

    إن التجارب الإنسانية جميعها تؤكد أن التنمية الحقيقية لا تنشأ في بيئة يسودها الاضطراب القانوني، ولا في دولة تغيب فيها هيبة القضاء، أو تُمارس فيها القوانين بانتقائية. فالقانون ليس مجرد نصوص مكتوبة، وإنما هو الضامن لحقوق المواطنين، والحارس للمال العام، والمرجع الذي يحتكم إليه الجميع دون تمييز.

    ولعل السودان في مرحلته المقبلة أحوج ما يكون إلى مراجعة شاملة للمنظومة القانونية، ليس بغرض الإكثار من التشريعات، وإنما لإزالة التعارض بينها، وتحديث ما تقادم منها، وسد الثغرات التي كشفتها سنوات الحرب، مع توفير الضمانات اللازمة لاستقلال القضاء والنيابة العامة، وتعزيز كفاءة أجهزة إنفاذ القانون.

    غير أن الإصلاح القانوني لا يكتمل بإصدار القوانين وحدها، بل يبدأ ببناء ثقافة احترام القانون. فالمجتمع الذي يلتزم بالقانون طواعية، والمسؤول الذي يخضع للمساءلة قبل المواطن، والقاضي الذي لا يخشى إلا ضميره ونص القانون، هم جميعًا أعمدة الدولة الحديثة.

    كما أن إعادة الإعمار ستتطلب استثمارات ضخمة، وأموالًا عامة وخاصة، وعقودًا ومشروعات كبرى. وكل ذلك لن يجد بيئة آمنة ما لم تتوافر منظومة قانونية مستقرة، وإدارة عدلية نزيهة، ورقابة فعالة تمنع الفساد وتحفظ الحقوق. فالمستثمر يبحث أولًا عن الأمن القانوني قبل أن يبحث عن الفرص الاقتصادية.
    ومن المهم كذلك أن يمتد الإصلاح إلى الإدارة العامة، فتُرسخ مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة، وتُفعّل أجهزة الرقابة، ويُحاسب كل من يعتدي على المال العام أو يستغل السلطة لتحقيق مصالح خاصة. فغياب المحاسبة هو المدخل الحقيقي لانتشار الفساد، بينما سيادة القانون هي الضمانة الوحيدة لاستمرار الإصلاح.
    إن بناء السودان بعد الحرب ليس مشروعًا هندسيًا لإعادة تشييد الجدران، وإنما هو مشروع وطني لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. وهذه الثقة لا تُشترى بالأموال، ولا تُفرض بالشعارات، وإنما تُكتسب عندما يشعر المواطن أن حقه مصان، وأن القضاء منصف، وأن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء.
    لهذا، فإن الإصلاح القانوني ليس شأنًا يخص رجال القانون وحدهم، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة، لأنه يمثل حجر الأساس الذي تُقام عليه مؤسسات الدولة، وتُصان به الحقوق، ويُحمى به الوطن من العودة إلى دوامة الفوضى والصراعات. فإذا صلح الأساس، سهل بناء ما فوقه، أما إذا تُرك الأساس هشًا، فلن تصمد أمامه أضخم المباني، ولن تنجح أعظم خطط الإعمار.