بقلم/أمين عبد القادر تاج الدين
باحث إقتصادى ومصرفى
فى مطلع هذا الشهر (أغسطس ٢٠٢٦)أصدر بنك السودان المركزي قراراً تنظيمياً إلزامياً يقضي بضرورة تحديث كافة حسابات العملاء المصرفية خلال مهلة لا تتجاوز شهرين من تاريخه، ملوحاً بإيقاف و تجميد الحسابات غير الملتزمة بالتحديث. يأتي هذا الإجراء الحاسم في إطار تعزيز متطلبات الامتثال الرقابي، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل إنتشار السلاح، وضبط حركة المعاملات الرقمية المتنامية عبر التطبيقات المصرفية، مما يفرض على البنوك والعملاء استنفاراً شاملاً لتصحيح وتدقيق البيانات لضمان استمرارية الخدمات المالية ومنع أي تعليق للحسابات.
احدث هذا القرار حالة من التوجس و الإرتباك فى اوساط عملاء البنوك نسبة لصدور القرار بصورة مفاجئة،بالإضافة إلى الصياغة الحاسمة للمنشور المغتضب الذى اصدره البنك المركزى، ولعل ما حدث من ارتباك وإشاعات منذ صدور المنشور كان بسبب تداول مواقع التواصل الإجتماعى لمنشور البنك المركزى (الموجه للبنوك)، وعادة مثل هذه المنشورات لاتصلح لتداولها بين عامة الناس نسبة لانها منشورات متخصصة وموجهة لجهات ملمه بجوانب الموضوع وقادرة على فهمها بالصورة الصحيحة التى تمكنها من تنفيذها وتفسيرها للعملاء بمختلف فئاتهم ومداركهم.
فى بداية هذا المقال وحتى تكتمل الصورة وتتضح بصورة اكثر دعونا اولا نلقى الضؤ على ضرورة وأهمية تحديث البيانات والأسباب التى تجعل عملية التحديث أمر ضرورى ولا بد منه. فتحديث بيانات عملاء البنوك هو إجراء روتيني وتنظيمي يقوم من خلاله البنك بمراجعة وتأكيد صحة المعلومات الشخصية والمالية الخاصة بعملائه المسجلين لديه. ويشمل ذلك التحقق من البيانات الشخصية للعميل مثل الاسم الكامل، الرقم القومي أو جواز السفر، محل الإقامة الحالي، ورقم الهاتف المحمول، بالإضافة إلى البيانات المهنية والمالية مثل جهة العمل الحالية، المسمى الوظيفي، ومصادر الدخل السنوي أو الشهري، كما يشمل بالضرورة التأكد من صلاحية الهوية الوطنية أو المستندات الرسمية الأخرى.
هنالك مخاطر يواجهها العملاء نتيجة انتشار حوادث الاحتيال المالي واستيلاء المحتالين على التطبيقات البنكية للعملاء،بالإضافة إلى ان عدد كبير من الحسابات اصبحت غير متحركة لاكثر من ثلاثة سنوات بسبب الحرب ولجؤ عدد كبير من المواطنين لدول اخرى،بالإضافة إلى فقدان عدد كبير من العملاء من مستخدمى التطبيقات المصرفية لهواتفهم الامر الذى شكل صعوبة فى تعاملهم مع حساباتهم المصرفية عن بعد وعدم تمكنهم من استعادة حساباتهم بسبب عدم تحديث بياناتهم الشخصية.
شكل هذا الامر تحدياً أمنياً كبيراً للمؤسسات المالية والأفراد على حد سواء. اصبح لعملية تحديث البيانات دوراً محورياً وأداة دفاعية رئيسية للتصدي لهذه الظاهرة وهى ظاهرة تهكير وسرقة الحسابات، عن طريق الشبكات الإجرامية، كما ان التحديث الدوري للبيانات الشخصية ووثائق الهوية الرسمية (مثل الرقم الوطني أو جواز السفر)،يساعد البنوك على التأكد من أن المستخدم الفعلي للحساب هو صاحبه الحقيقي، مما يمنع العصابات والمحتالين من استخدام هويات وهمية أو قديمة لفتح حسابات أو تنفيذ عمليات غير مشروعة.
كما ان هنالك نقطة مهمة وهى تغير أرقام الهواتف المحمولة أو البريد الإلكتروني للعملاء وهو أمر متكرر، فإذا لم يقم العميل بتحديث رقم هاتفه الجديد لدى البنك، فستبقى المعاملات مرتبطة بالرقم القديم، مما قد يتسبب في مشاكل جسيمة عند إتمام أي عملية أو طلب خدمات إلكترونية قد يتضرر منها العميل، وهو أمر يحتم على البنوك المضى فى عملية تحديث البيانات لحماية نفسها ولحماية عملائها.
أيضلً تطلب البنوك من العملاء تحديث بياناتهم بشكل دوري لعدة أسباب رئيسية تفرضها المعايير المصرفية والرقابية، ومن أبرزها:
١/الامتثال للتعليمات الرقابية والقانونية المصرفية حيث تلزم الجهات الرقابية والبنوك المركزية المؤسسات المصرفية بتطبيق قاعدة اعرف عميلك (KYC – Know Your Customer) كما ان التحديث يعتبرمن متطلبات قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب فهذا القانون حتم على البنك ضرورة امتلاك سجلات دقيقة ومحدثة بالكامل لجميع عملائه لضمان شفافية المعاملات.
٢/الحماية الأمنية ومنع الاحتيال حيث تساعد البيانات المحدثة وخاصة أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني في تأمين حسابات العملاء. يتيح ذلك للبنك إرسال إشعارات فورية وتنبيهات أمان لأي عمليات سحب أو إيداع، مما يقلل بشكل كبير من احتمالات التعرض لعمليات الاحتيال أو الاختراق.
٣/ تحسين جودة الخدمات المصرفية المقدمة من البنوك بحيث يضمن امتلاك البنك لبيانات دقيقة وسرعة التواصل مع العميل تقديم الخدمات والمنتجات المالية المناسبة لاحتياجاته بدقة وفي الوقت المناسب، مثل المنتجلت التمويلية المتخصصة حسب فئات العملاء وطبيعة نشاطهم، بطاقات الائتمان، أو الانواع المبتكرة من الودائع والحسابات المصرفية .
لكل ماسبق فإننا نجد أن عملية تحديث بيانات العملاء لاتعتبر مطلبا تنظيميا محلياً لحسابات العملاء فحسب، وإنما تعتبر ركيزة أساسية تحدد طبيعة موثوقية العلاقة بين البنوك المحلية وشبكة النظام المالي العالمي والمراسلين الدوليين، حيث انها تدعم تعزيز ثقة البنوك العالمية فى النظام المصرفى الوطنى، مما يسهم بدوره فى تعافى النظام المصرفى السودانى من آثار الحرب ويساعد فى تطوير شبكة البنوك العالمية المراسلة.
بالعودة الى قرار بنك السودان المركزي الذى صدر مؤخرا بشأن تحديث بيانات العملاء فى فترة لا تتجاوز الشهرين، فمنذ صدور هذا القرار، اصبحت مواقع التواصل تضج بالمعلومات والتنبيهات المضللة، وانتشرت أعداد كبيرة من الروابط المزيفة التى يشار الى انها خاصة بالبنوك ويمكن من خلالها تحديث البيانات دون الحوجة إلى الذهاب إلى البنك.
من الواضح جدا إستغلال المجرمين والمحتالين لحالة الإرتباك التى سادت اوساط العملاء خاصة فئات البسطاء منهم،بالإضافة إلى العملاء المتواجدين خارج السودان والذين يشكلون نسبة لا يستهان بها من عملاء البنوك حيث يعتمدون على التطبيقات البنكية فى إدارة حساباتهم عن بعد، حيث اصبحوا هم الفئة المستهدفة من قبل المحتالين وشبكات النصب الألكترونى،هذه الشريحة من العملاء الان فى حيرة من امرها فيما يتعلق بكيفية تحديث حساباتهم، نسبة لصعوبة وربما استحالة وصولهم إلى فروع بنوكهم المصرفية التى تقبع داخل السودان.
لذلك حتى توضع عملية تحديث البيانات فى مسارها الصحيح وحتى تتم الإستجابة من قبل العملاء بالصورة المطلوبة لمناشدة البنوك بضرورة تحديث بيانات حساباتهم المصرفية ، و لإزالة الإبهام والضبابية التى شابت اوساط المجتمع ولتبسيط المفاهيم المصرفية الإجرائية والرقابية المعقدة لعامة الناس، يجب على البنك المركزي و البنوك الانتقال من لغة القرارات الإدارية والقانونية الجافة إلى لغة التواصل التوعوي المباشر والمطمئن لجمهور العملاء.
وفيما يلي بعض المقترحات والخطوات العملية التي يمكن للبنك المركزي والبنوك التجارية اتخاذها لتوصيل الرسالة بوضوح وشفافية لجمهور العملاء:
أولاً: مقترحات مقدمة لبنك السودان لمركزي لتوضيح فكرة تحديث البيانات لجمهور العملاء بمختلف فئاتهم وهى تتمثل فيما يلى:
١/ إصدار دليل إرشادي مبسط بإعداد رسومات توضيحية قصيرة ومقاطع مرئية مبسطة تُعرض عبر وسائل الإعلام والمنصات الرسمية وموقع البنك المركزي ومواقع التواصل، تشرح بكلمات واضحة ولغة مبسطة لماذا تطلب البنوك تحديث البيانات واهمية التحديث فى حماية العميل وحسابه المصرفي وماذا يترتب على عدم تحديث بيانات الحساب.
٢/ إستخدام لغة مخاطبة بسيطة تصل لكافة فئات المجتمع بمختلف فئاتهم ومداركهم وذلك بإستخدام عبارات جذابة و سهلة الفهم للعامة مثل حماية حسابك، تأمين أموالك، وضمان استمرار معاملاتك بكل سهولة، وغيرها من العبارات البسيطة.
3/ ضرورة التنوير الإعلامى وإستنهاض المنابر الإعلامية والإعلاميين من أجل الوصول من خلالهم للمجتمعات المستهدفة من العملاء،كما يمكن للبنك المركزى إصدار تصريحات صحفية تطمئن المواطنين وتؤكد أن الهدف هو تنظيم وتأمين حساباتهم وليس فرض قيود أو تعقيدات، لمنع انتشار الشائعات الكثيرة فيما يخص تحديث البيانات، والتى قد يتخذها أعداء الوطن ذريعة لضرب الدولة من خلال زعزعة ثقة المواطنين فى النظام المصرفي السودانى.
ثانياً: مقترحات للبنوك التجارية لتطمين العملاء وحثهم على الإستجابة لعملية تحديث البيانات:
1/ تنظيم الحملات الاستباقية والرسائل التوضيحية الشخصية و إرسال رسائل نصية قصيرة وإشعارات عبر التطبيقات المصرفية تتسم بالطابع التطميني.
٢/ تحديث تطبيقات الهاتف المحمول المصرفية الخاصة بالبنوك بصورة تفى بمتطلبات تحديث بيانات العملاء الصادرة من الجهات الرقابية، بحيث تغنيهم عن الحضور الشخصى لمبنى البنك، ووضع رسالة بالتطبيق المصرفى تتضمن رابطاً مباشراً وشرحا مبسطا لخطوات التحديث.
3/ تفعيل البنوك لفرق خدمات العملاء وموظفي الفروع وتدريبهم على الرد الموحد والمبسط للعملاء، وتخصيص رسالة ترحيبية آلية في الرد الآلي، للخط الساخن تتحدث باختصار عن حملة التحديث وكيفية إتمامها دون الحاجة لزيارة الفرع بالنسبة للبنوك التى استوفت تحديث تطبيقها المصرفي بالصورة التى تمكن من تحديث البيانات من خلاله وبضرورة الحضور للفرع بالنسبة للبنوك التى لم تستوفى تحديث التطبيق المصرفى بالصورة المطلوبة.
4/ توفير إرشادات مصورة داخل الفروع بصورة مبسطة وبخط كبيرفي صالات استقبال الفروع (مثل التى تم وضعها لاغراض إستبدال العملة)،بها رمز الاستجابة السريعة ( الباركود) تتيح لأي عميل مسح الرمز بكاميرا هاتفه لمشاهدة فيديو قصير مدته دقيقة واحدة مثلا يوضح له كيفية إتمام التحديث بنفسه، مما يقلل حالة التوتر والتكدس.
٥/دراسة إمكانية التنسيق مع شبكة الفروع الخارجية أو البنوك المراسلة في حال وجود فروع خارجية تابعة للمجموعة المصرفية، يمكن إتاحة خدمة تحديث البيانات من خلالها لتوفير الجهد على العميل المغترب.
٦/عمل نوافذ مؤقته فى الجهات النائية التى لا تتوفر بها فروع مصرفية، وإستخدام سيارات متنقله مجهزة بأنظمة اتصال مؤمنة للوصول إلى العملاء في الأماكن البعيدة أو التجمعات التجارية والشركات الكبرى لإتمام عملية التحديث ميدانياً.
٧/ربط الأنظمة المصرفية للبنوك بالسجل المدني الخاص بوزارة الداخلية بحيث يتم التحديث تلقائيا لبيانات العميل فى حالة تعديل العنوان الشخصي أو الحالة الوظيفية او رقم الهاتف،او حتى فى حالة وفاة العميل لاقدر الله.
ختاما اشير إلى إن تحديث بيانات حسابات العملاء أمر مهم وهو عملية مستمرة لا بد منها، لذلك يجب أن تتم بالصورة المطلوبة وهذا يتطلب تضافر جميع الجهود الرسمية والشعبية من اجل الوصول للهدف المنشود،كما يجب على العملاء إتباع الأسس والضوابط السليمة لتحديث البيانات و الموضحة من خلال البنوك التى يحتفظون فيها بحساباتهم والمنشورة فى القنوات الرسمية الخاصة بتلك البنوك وبالبنك المركزى. و يجب الحذر تماماً من أساليب الاحتيال التي تستغل شعار تحديث البيانات، حيث يقوم المحتالون بالاتصال بالعملاء منتحلين صفة موظفي البنك لمطالبتهم بتحديث بياناتهم وسحب رموز التحقق (OTP) أو كلمات المرور. لذا يجب التأكد دائماً من إجراء التحديثات حصراً عبر القنوات الرسمية المعتمدة (تطبيق البنك الرسمي، الموقع الإلكتروني الموثق، أو زيارة الفرع مباشرة) وذلك حسب سياسة البنك المعنى.









إرسال تعليق